الصفحة 43 من 107

فسقط هذا الشيخ المهيب من عين أبي حنيفة بسبب هذا السؤال البليد .. !

وما أعظمها من محنة وما أخجله من موقف حينما يكون الإنسان في محل تقدير وإجلال لأن الناس أنزلوه المنازل العالية بحسن ظنونهم ثم ظهر فجأة لهم أنه ليس من أهل تلك المنازل!!

كان بعض خلفاء بني العباس يلعب الشطرنج، فاستأذن عليه عمه، فأذن له، وغطى الرقعة، فلما جلس، قال: يا عم، هل قرأت القرآن؟ قال: لا، قال: هل كتبت شيئا من السنة؟ قال: لا، قال: فهل نظرت في الفقه واختلاف الناس؟ قال: لا، قال: فهل نظرت في العربية وأيام الناس؟ قال: لا، قال الخليفة: اكشف الرقعة ثم العب، وزال احتشامه وحياؤه منه، وقال له ملاعبه: يا أمير المؤمنين تكشفها ومعنا من تحتشم منه! قال: اسكت فما معنا أحد!!

والغرض أن كل من تصدر للتأصيل والتقعيد في المسائل الشرعية قبل اجتماع القرائن والشهود على تأهله لما يريد فقد جنى على شرع ربه وأوقع نفسه في بلاء شديد.

وقد كان من فضل أهل العلم وعملهم الجليل التصدي لتأويلات هذا الصنف من الناس وبيان ما فيها من أباطيل

لما روى البيهقي في دلائل النبوة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال:

قال رسول الله: يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين).

فعلى المسلم أن يكون عارفا بقدر نفسه، ومدركا لحدود طاقته، وألا يدعي لنفسه ما ليس من شأنها ..

ومن ثمرات ذلك أن يشتغل بما يجيده ويكف عما لا يجيد:

إذا لم تستطع أمرا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع.

قال مالك:"ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه".

و قال:"ما أفتيت حتى سألتُ من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت