"ولقد كان السلف الصالح يعدون من يتصدر للتعليم والوعظ والخطابة ولا علم له من السفلة ومحلا للاستهجان والتندر؛ لأنه يفسد أكثر مما يصلح، ويضل أكثر مما يرشد، ومن قدروا على منعه منعوه، حسمًا للمفاسد التي تترتب على ولوج هذا الباب العظيم؛ لأن الجاهل بالله وبشرعه وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم وبأصول الدين وقواعده قد يُبغّض الله تعالى إلى خلقه من حيث لا يعلم، وقد يتعاظم عند هذا الجاهل الذنب فيقنط الناس من رحمة الله، ويقطع عليهم طريق التودد إليه سبحانه وتعالى، والتحبب بالطاعة والتوبة والإنابة، وقد يقرأ آثارا وأخبارا صحيحة لا يفهمها على مرادها الصحيح فيتألى على الله تعالى بإخراج مسلم من الإسلام، أو يحدث في الأمة فتنة عظيمة تأتي على الأخضر واليابس، وقد يبيح فروجا محرمة، أو يحرم فروجا مباحة، وقد يجني على مسلم فيذهب نفسه كلها أو بعضها فيستحق دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال» ، أو قد يفهم نصوصا على غير مرادها، ولذلك يكمن خطر هذا الجنس عند الدهماء والعامة الذين لا يميزون الرغوة من الصريح، وينخدعون بالمظاهر لأول وهلة، فمن تزيا بزي العلماء وحدثهم بأمور الشرع والدين صدقوه على أنه من العلماء"البصيرة في الدعوة إلى الله - (1/ 38) . لعزيز بن فرحان العنزي.
وبما أن المفتي موقع عن رب العالمين ومتكلم باسم الدين فمن الحري به أن يتثبت في الفتيا وأن لا يتكلم إلا بعلم حتى لا ينسب إلى الشرع ما ليس منه وحتى لا يكذب على الله عز وجل.
ولهذا فقد تكرر في القرآن الكريم التحذير من القول على الله بغير علم والتكرار يفيد التأكيد والتشديد ..
ومما ورد من ذلك:
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
وقال تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} .
وقال تعالى: {انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا} .
وقال تعالى: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} .