والورع المشروع هو ما قاله - صلى الله عليه وسلم - للحسن رضي الله عنه: [دع ما يريبك إلى مالا يريبك] [1] ، وهنا إذا تركه لم يدعه إلى مالا يريبه، بل إلى ماهو يريبه قطعا، وذلك يظن أنه قد يريبه." [2] "
و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حرصا على هذا فقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال [لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها] متفق عليه، وكان السلف الصالح يشددون في ذلك يتحرون لدينهم. قالت عائشة"كان لأبي بكر الصديق غلاما يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا فقال أبو بكر ما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه"رواه البخاري.
نعم لا تختلف الأمة في مشروعية فعل بعض المحظور عند الاضطرار لحفظ النفس أو المال أو العرض أو الدين وقد قال الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} فمن استبصر طريق الفهم لهذه الآية سيجد أن الله تعالى قدم التفصيل فيما حرم قبل إباحته تناول المحظور بالاضطرار، ليبين لعباده أنه لا يسلّم لكل من أدعى الاضطرار فعل المحرم حتى يكون على بصيرةٍ من حدود الله تعالى ومن أوامره ورخصه.
يقول الشاطبي رحمه الله: الصواب الوقوف مع أصل العزيمة، إلا في المشقة المخلة الفادحة فإن الصبر أولى، ما لم يؤد ذلك إلى دخل في عقل الإنسان أو دينه، وحقيقة ذلك أن لا يقدر على الصبر، لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه، فأنت ترى بالاستقراء أن المشقة الفادحة لا يلحق بها توهمها، بل حكمها أخف بناء على أن التوهم غير صادق في كثير من
(1) أخرجه أحمد (1/ 200) والدارمي (2535) والترمذي (2518) والنسائي (8/ 327) من طريق أبي الحوراء السعدي عن الحسن.
(2) جامع المسائل لابن تيمية 1/ 45