أولًا/ ما ينبغي أن يُعْلَمَ يقينًا أنَّه لا أرحم بالخلق من خالقهم جلَّ في علاه، وأنَّ الرغبةَ في تغيير التشريع الإلهي بدعوى الشفقة على الخلق لهي أعظم تهمةٍ لله - سبحانه وتعالى -. وهي دعوى خبيثة تشير لما في قلب صاحبها من الكفر بالله - عز وجل - والبغض له، والرفض لشريعته - سبحانه وتعالى -، والتصريح أمام النَّاس بأنَّ ما هم فيه من الخراب والفساد بسبب شريعة رب العباد هي دعوة صريحة للإلحاد والتذمر والتمرد على رحمة أرحم الراحمين - سبحانه وتعالى -!
والله ما جاءت الشريعة إلَّا بكمال الرحمة، وتمام المصلحة، وقد أكَّد - سبحانه وتعالى - على ذلك مرارًا، ومن ذلك قوله - عز وجل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [1] .
فلا معروف إلَّا وقد أمرنا به - سبحانه وتعالى -، ولا منكر إلا وقد نهانا عنه - عز وجل -، ولا طيب إلا أحلَّه - سبحانه وتعالى - لنا، ولا خبيث إلا حرمه علينا - عز وجل -، ولا شيء من شرائع الإصر والأغلال التي كانت على الأمم قبلنا إلَّا رفعه الله - عز وجل - عنَّا برحمته، وهي الشرائع الثقيلة، ومنها أن توبة التائب أن يقتل نفسه، وأن طهارة الجدار هدمه، وطهارة الثواب قرضه وقطعه، وأمَّا نحن فقد رحمنا الله وجعل التوبة بالاستغفار، والطهارة بإراقة الماء لغير ذلك من التيسيرات الربَّانية التي خصَّ اللهُ - عز وجل - بها الأمة المحمدية.
ولم تكن البعثة المحمدية أصلًا إلَّا فيضًا من الرحمة الإلهية، وواحدة من أهم مقتضياتها، وأمارة من أبرز أمارتها؛ قال - عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [2] .
(1) [الأعراف: 157] .
(2) [الحديد: 9] .