يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام: 141] قال: قال أبو حنيفة: (تجب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من المأكولات) ثم تعرّض لذكر بقية المذاهب وصرح بما يخالف مذهبه فقال: (أما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق) [1] . قال القرطبي: (وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه) [2] .
هذا هو حال من يطلب فقه القرآن لا فقه الفقه، وهكذا حال كل من يجعل القرآن مرآته؛ فإنه يبصر الحق كما أبصره الإمام أبو حنيفة وابن العربي - رحم الله الجميع - فما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل القرآن مرآتنا لنبصر الحق والهدى والرشاد.
والطالب الذي يتعلم على هذا النمط في التفسير والتفقه في القرآن تكتسب شخصيته اتزانًا واعتدالًا وتكاملًا ولا ينحاز ولا يميل؛ لأن المصدر الذي يتلقى منه علومه واحدٌ، فلا يطغى عليه جانب دون جانب؛ فهو عند آيات الأسماء والصفات يتعلم أسماء الله وصفاته بلا تعطيل ولا تمثيل، وإذا جاء إلى آيات الجهاد تعلم وتفقه في أحكام الجهاد، وإذا جاء إلى آيات الأحكام تعلم الفقه والأحكام الشرعية، وإذا مر على آيات الفرائض تعلم ذلك، ولا شك، وإذا مر على البر والإحسان تعلم ذلك، وتطبع به وعمل به، وإذا مر على الآيات التي يذكر فيها أخبار الأمم السابقة وأحوالهم وما آل إليه أمرهم اعتبر بذلك واتعظ، وتعلم قصص الأنبياء والرسل وما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله - عز وجل - وعلم طرق الدعوة ووسائلها وأهدافها.
وإذا مر على الآيات التي تدعو إلى التفكر والتأمل والاعتبار لمخلوقات الله الكونية تعلم طرق التدبر والتفكر، فتنمو فيه ملكة التفكير السليم والنظر السديد والتصور الصحيح، فينعكس ذلك على سلوكه؛ لأن سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطًا وثيقًا: يستقيم باستقامته، ويعوج باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه، وأفعالُه ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات.
ومن جهة أخرى؛ فإن الطالب الذي يتفقه في القرآن يمر على جميع الآيات القرآنية فيتكامل الموضوع لديه؛ لأن موضوع الآيات ومقاصدها ليست منسقة في موضع واحد،
(1) أحكام القرآن، لابن العربي، 2/ 759.
(2) الجامع للقرطبي، 4/ 92.