وسلم-؛ حيث أمره الله أن ينذر قومه بالوحي: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45] وقال: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] فكل من أنذر الناس بغير هذا الوحي فهو مخطئ.
من أهم ما يثمره تفسير القرآن والتفقه فيه في شخصية الطالب التخلص من التعصب والتقليد، بل إذا ابتدأ الطلب بعد حفظ القرآن بعلم تفسيره وبيانه كما رتبه الله في قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة:129] لم يجد هذا الهاجس إلى نفسه سبيلًا، وينتفي. وما وُجِدَ التعصب والتقليد إلا بمخالفة المنهج الذي رسمه القرآن في التعليم، وهو التلاوة والتفسير والحكمة والتزكية؛ كما جاء في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129] .
فبمخالفتنا لمنهج التربية والتعليم كما رسمه القرآن الكريم نعلّم الطلاب التعصب والتقليد من حيث لا ندري؛ ولذلك نجد كتب التفسير تختلف اختلافًا كبيرًا؛ نظرًا لكون أصحابها دخلوا باب التفسير بعدما تشبعوا بأفكار ومذاهب ظهرت آثارها في تفسيرهم، في حين أن الذي دخل إلى التفسير كما دخله الصحابة والتابعون ومن تبعهم واقتفى آثارهم ظهرت آثار التفسير فيهم؛ فالسلف تأثروا بتفسير القرآن، وأثّر التفسير فيهم، والخلف أثروا في التفسير، ولم يتأثروا به.
فظاهرة التعصب والتقليد لا تُمحى إلا بتفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه؛ لأن النظر في القرآن نفسه وفي ألفاظه بالذات يجعل الطالب يأخذ الحكم الذي تدل عليه الآية دلالة قطعية أو الحكم الأقرب إلى نص الآية إن اختلفت فيها أنظار العلماء. وفي دروس التفسير والتفقه في القرآن يتعلم الطالب الاستقلال في الأخذ والترجيح، وعدم التبعية والتقليد.
ومما يدل على استقلال شخصية طالب علم التفسير والتفقه في القرآن ما لاحظته عند ابن العربي مع أنه كثيرًا ما يتعصب لمذهبه ويحمل على المخالفين، إلا أن أسلوب القرآن وروعة بيانه أرغمه في بعض المواضع من كتابه: (أحكام القرآن) على عدم التعصب وعلى ترجيح مذهب المخالفين لمذهبه مبينًا الوجه والسبب، فقال عند قوله تعالى: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ