ومثل هذا قاله ابنه عبد الله، وقال أيضًا: وجدت شعرًا لأبي عند أحد الناس فأردت حفظه، فقال لي: استأذن أباك، فاستأذنته فزجرني بشدة، ونهاني عن تعلمه ونسبته إليه.
وحدث أن قدم يومًا - رحمه الله - وهو في مقتبل شبابه، ولم يكن يعرفه أحد فسأله سائل من يكون فأجاب الشيخ - رحمه الله - مرتجلًا:
هذا فتى من بني جاكاني قد نزلا به *الصبا عن لسان العرب قد عدلا
رمت به همة علياء نحوكم* إذ شام برق علوم نوره اشتعلا
فجاء يرجو ركامًا من سحائبه *تكسو لسان الفتى أزهاره حللا
إذا ضاق ذرعًا بجهل النحو ثم *أبا ألا يميز شكل العين من فعلا
قد أتى اليوم صبا مولعًا كلفا* بالحمد لله لا أبغي له بدلا
أما عن أخلاق الشيخ -رحمه الله- فحدث ولا حرج، فهو آية في أخلاقه، كرمه، وعفته، وشجاعته، وزهده، وترفُّع نفسه، فهو صاحب ميزة فيها يقول تليمذه الشيخ عطية محمد سالم: فهذا ما يستحق أن يفرد بحديث وإني لا أستطيع إلا تصويره ولا يسعني في هذا الوقت تفصيله.
يقول أ. د. محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي -عضو هيئة التدريس في جامعة طيبة بالمدينة النبوية-: (أما أخلاقه فقد كان مربيًا وعلى خلق عظيم إلا إذا أراد شخص أن يتناول من شخص آخر في مجلسه، فإنه لا يساوم على أحد يتكلم في أعراض الناس، وكان في محاضراته لا يتعرض لشخص في عينه وإنما يتكلم في المنهج، ويكشف الشخص بمنهجه، ولم أسمعه يتكلم على شخص معين حتى ولو كان من أهل البدع، فإنه كان يتكلم في منهجه مع كرهه للبدع) . [1]
لم تكن الدنيا تساوي شيئًا عنده، وكان غير مكترث بها، على طول فترة إقامته بالمملكة لم يطلب عطاء ولا راتبًا ولا ترفيعًا لمرتبه، ولا حصولًا على مكافأة، ولكن ما جاء من غير سؤال أخذه، وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه لنسفه؛ بل يوزعه على غيره. كما يقول
(1) من محاضرة عامة حول: - العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي نظمتها اللجنة الثقافية التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي في قرطبة