وليست الآيات في سياق واحد؛ فتجد أن الآية أو الآيات مفصولة عن الأولى بجملة من الآيات، وهي في الموضوع نفسه، وقد تكون ناسخة، وقد تكون منسوخة، وقد تكون بيانًا وتفسيرًا، وقد تكون قيدًا، وقد تكون إجابة عن شبهة؛ والأمثلة على هذا النمط كثيرة، منها قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65] هي جواب لقول كفار قريش في صدر السورة: {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4] ، وقوله عز وجل في آخر السورة: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [ص: 65 - 66] ، هي جواب لقولهم في صدر السورة: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ، وقوله جل وعلا في آخر السورة: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67 - 68] ، هو جواب وتفنيد لقولهم في صدر السورة: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص: 7] ، هذا ما وقع في السورة الواحدة نفسها، وبين إثارة الشبهة والجواب عنها أكثر من ستين آية.
أما ما وقع الجواب عنه في غير السورة التي وردت فيها الشبهة فكثير، ومنه قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 1 - 2] ، وقوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] ، فمثل هذه الآيات أجوبة تفند زعمهم الباطل كما حكاه القرآن: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] .
وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن القرآن كالسورة الواحدة، وحينئذ يتكامل الموضوع لدى الطالب ويؤثر في بنائه العلمي والنفسي. والله أعلم.
ومن أهم ما يثمره الاشتغال بالتفقه في القرآن وعلومه وتفسيره الوحدة بين جميع المسلمين: وحدة في الإحساس والشعور، ووحدة في الوجدان والتفكير، ووحدة في السلوك والعمل، فتتقارب النفوس وتستقيم وتتحد نوازعها ومشاربها وتصوراتها لصدورها عن أصل واحد ونبع واحد وهو التفقه في القرآن وعلومه فيزدادون صلة وودًا ومحبة.