الصفحة 26 من 31

ولذلك كان أهل القرون الفاضلة إخوة متماسكين، ولم يكن بينهم هذا التباعد وهذا الجفاء وهذا الانفصال الذي نراه اليوم بين طلبة العلم من جهة وبينهم وبين أساتذتهم من جهة أخرى.

تفسير القرآن وفهمه يساهم مساهمة فعالة ترى آثارها بادية في بناء الشخصية السوية المعتدلة؛ لأن القرآن يتضمن علومًا كثيرة ومنوعة ومكررة بمختلف الأساليب، وكل واحد منها يغذي جانبًا من جوانب الشخصية مع المحافظة على التوازن والتكامل؛ لأن نظرة القرآن الكريم إلى الإنسان نظرة شاملة تغطي جميع مجالات حياة الإنسان.

ولما كانت الوسطية من مزايا هذه الأمة حث عليها الشرع، وقررها القرآن {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وكان لتفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه أثر قوي لا ينكر في تحقيق صفة اعتدال الشخصية واتزانها.

وقد تُحْدث دراسةُ العلوم الإسلامية المفصولة عن القرآن الكريم انفصالًا في بعض جوانب الشخصية؛ فقد يتعلق بعضهم بالفقه فقط، والآخر بالحديث، وبعضهم بالعقيدة، ولكن هذه العلوم هي بعض مما تضمنه القرآن وهي جزء من التفسير.

وقد يكون الاقتصار عليها مؤديًا بصاحبه إلى الميل والشطط والغلو والتعصب، وقد حصل شيء من هذا؛ وكل ما نراه من فروق واضحة بين الطلبة يرجع إلى الاختلاف بينهم في تخصصات مفصولة من القرآن، وإن كانت تعتمد على القرآن؛ فالفصل وحده كاف لإحداث هذا، ثم لا يستطيع الإنسان أن يجزم بأن هذه الآية في الأحكام، وهذه في العقيدة.

وإذا كان أولها في الأحكام وآخرها في العقيدة فماذا يفعل؟

ولذلك لم تنضبط آيات الأحكام عند العلماء، وكان من الموفقين في ذلك الإمام القرطبي؛ إذ سمى كتابه: (الجامع لأحكام القرآن) ، وفسر القرآن كله ولم يستغن عن بعضه، ولم يستطع أن يسلخ منه هذه الأحكام. كما فعل أبو بكر الجصاص وابن العربي، فإن الفصل وحده كاف لإسقاط بعض المعاني، والربط وحده يتضمن أحكامًا. قال الرازي: (إن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط) .

فالذي يقضي على مظاهر الانحراف والغلو والشذوذ هو الاشتغال بالقرآن فهمًا وتفسيرًا وتفقهًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت