ربوع نجد على تفسير القرآن الكريم، فكان ذا عناية فائقة بالتفسير وفنونه وبرع فيه؛ فألف ثلاثة كتب في التفسير وحده: (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ، و (تيسير اللطيف المنان في خلاصة القرآن) ، و (القواعد الحسان لتفسير القرآن) [1] .
وإذا انتقلنا غربًا إلى مصر فإننا نجد محمد عبده يعتمد في دروسه على التفسير [2] ، فقد ألح عليه تلميذه رشيد رضا أن يلقي دروسًا في التفسير، ويعلل لذلك بقوله: (إن الكلام المسموع يؤثر في النفس أكثر مما يؤثر الكلام المقروء) ثم واصل بعده رشيد رضا إلى أن حان أجله دون إكمال التفسير - رحم الله الجميع -.
وإذا انتقلنا إلى تونس غربًا وجدنا الإمام الطاهر بن عاشور يتأثر بمدرسة رشيد رضا في التفسير، وألف تفسيرًا كاملًا سماه: (التحرير والتنوير) ، فحرر الناس من الجهل والظلمات ونوّر به البلاد التونسية. وإذا انتقلنا قليلًا إلى الغرب في الجزائر فإننا نجد الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس قد اقتصر عليه في دعوته الإصلاحية الشاملة ابتداءً بتحقيق التوحيد وحقوقه إلى محاربة الاستعمار؛ فقد عكف على تفسير القرآن إلى أن ختمه في ثلاث وعشرين سنة على مدة التنزيل ولم يختم التفسير رواية ودراية في الجزائر غيره منذ أن ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة فتعلم الناس منه كلّ شيء [3] .
وإذا عرّجنا جنوبًا إلى بلاد شنقيط وجدنا الإمام محمد الأمين الشنقيطي يفسر القرآن بالقرآن ويسميه: (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) .
فهؤلاء الأئمة - رحمهم الله - كانوا مجاهدين بالقرآن: بتفسيره وبيانه والتفقه فيه، وقد سمّى القرآن ذلك جهادًا كبيرًا فقال: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] أي بالقرآن كما ذكره ابن عباس، وفي هذا منقبة عظيمة لمن يدعو إلى الله تعالى بالقرآن العظيم وتفسيره وتوضيحه للناس فهو مجاهد [4] اقتداءً بالمصطفى -صلى الله عليه
(1) مقدمة تفسير السعدي، 4.
(2) تفسير المنار، 1/ 12.
(3) تفسير ابن باديس، 33.
(4) الجامع للقرطبي، 7/ 56.