الصفحة 28 من 31

والطبرسي من الشيعة وغيرهم، فإنهم يوجهون الآيات التي تصادم مذهبهم بالتأويل ويسلكون في سبيل ذلك كل مسلك انتصارًا لمعتقداتهم؛ فهم من باب قول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] .

قرأ الجمهور: (فَرَّقُوا دِينَهُمْ) من التفريق وهو الفصل بين أجزاء الشيء الواحد، وجعله فرقًا وأبعاضًا، وقرأ حمزة والكسائي: [فارقوا] من المفارقة للشيء وهي تركه والانفصال منه، وهي تفيد أن تفريق الدين قد يستلزم مفارقته؛ لأنه واحد لا يتجزأ، ومن التفريق الإيمان ببعض الكتاب دون بعض ولو بالتأويل وترك العمل.

والدين لا يتجزأ، وقد قال الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] وقال: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 90 - 91] ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [النساء: 150] .

قال محمد حسين الذهبي: (إن الباطنية لا يفسرون القرآن كله؛ لأنهم يصدمون بآيات محكمات تردّ مذهبهم) .

وقال في بيان موقف الخوارج من التفسير: (لا يأخذون من القرآن إلا بقدر ما ينصر مبادئهم ويدعو إليها. وما رأوه يصادم مذهبهم حاولوا التخلص منه بصرفه وتأويله) .

وقد لجأ بعضهم إلى المتشابه لغرض نصرة المذهب الفاسد كما نص على ذلك القرآن المجيد فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] .

وأهل الزيغ والضلال يفزعون إلى المتشابه الذي بواسطته يمكنهم أن يلبّسوا به، ويصرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها، وما دخلت البدع في دين الله إلا بسبب التعلق ببعض الآيات وإهمال الآيات الأخرى أو سوء فهم لها.

فالمعتزلة تعلقوا بقوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] وأثبتوا حرية الإنسان، وقالوا: إنه خالق لأفعاله، ونفوا صفة الكلام لله رب العالمين، وتعلقوا بقراءة شاذة {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] فجعلوا موسى هو الفاعل المتكلم، وأغمضوا أعينهم عن القراءة المجمع عليها: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت