و سوف نبحث مسألة نفي من يخاف منه الفتنة لعموم بلواها في هذا العصر.
نفي من خيف منه الفتنة: للإمام المسلمين أو من ينيبه من القضاة أن ينفي كل من يشكل وجوده خطرا محدقا على المسلمين وآمنهم، ومصالحهم العامة.
و لعل أشهر مثال لهذه المسألة ما حصل أيام خلافة الفاروق عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه _ من نفيه لنصر بن حجاج من المدينة.
روى الإمام السبكي - رحمه الله - في طبقات الشافعية:(بينما عمر - رضي الله عنه - يطوف في سكك المدينة، إذ سمع امرأة تهتف في خدرها، وهي تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر ابن حجاج
أنى فتى ماجد الأعراق مقتبل سهل المحيا كريم غير ملحاح
فقال: عمر - رضي الله عنه - أرى معي في المصر من تهتف به العواتق في خدورها على بنصر بن حجاج، فأتى به، فإذا هو من أحسن الناس وجهًا وعينا وشعرا، فأمر بشعره فجز، فخرجت له جبهة كأنها قمر، فأمره فاعتم فافتتن النساء بعينه، فقال عمر، والله لا تساكني ببلد أنا بها) [1] .
و الذي يستنبط من هذه الرواية أن الفاروق - رضي الله عنه - نفى نصر بن حجاج للمصلحة العامة (افتتان النساء به) بالرغم من نصر لم يظهر منه ارتكاب أي معصية توجب التعزير.
وعليه نقرر على أن عقوبة النفي مشروعة بحق أهل المعاصي والفتن الذين يضرون المسلين ومجتمعهم، ومصالحهم العامة. ذلك أن في عقوبة النفي مصلحة عامة تخص المسلمين، ومجتمعهم ومصلحة خاصة تخص الجاني، فإبعاد الجاني عن محيطه الذي عاش فيه ربما من أهم أسباب إصلاحه وحمايته وحماية مجتمعه من فساده وانحرافه وإجرامه، كأن يكون وسط من رفاق السوء، لعل في نفيه فرصة ثمينة للتفكر وللتوبة والعودة إلى الله تعالى أو تكون جرائم وفتن المنفي مضرة بالصالح العام بحيث لا يستطيع المجتمع وأفراده أن يتقبل هذا المجرم في صفوفه خوفا من انتشار جرائمه ومفاسده بطريقة خطيرة جدا، فيقوم ولي الأمر بنفيه حتى يبعد شروره عن المجتمع وأفراده.
(1) - طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين أبي النصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية ج 1/ 147.