الصفحة 11 من 18

ونرى في عناوين أبوابه بابًا خاصًّا بالأشياء وسمه بـ: (في الأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحوالها) [1] فيبدؤه بقوله: «لا يُقالُ كأسٌ إلاّ إذا كان فيها شَرَاب وإلا فهي زُجَاجة، ولا يُقَالُ مائدةٌ إلاّ إذا كان عليها طَعَامٌ و إلاّ فهي خِوَان، لا يُقالُ كُوزٌ إلا إذا كانَتْ له عُرْوَة وإلا فهو كُوب، لا يُقالُ قلَمٌ إلاّ إذا كانَ مبريًّا وإلاّ فهو أُنْبوبَة» [2] .

نلاحظ أن الكلمات كلَّها تنتمي إلى حقل الجمادات، لكنَّ الذي أخلَّ بتسلسلها المنطقي عدم توزيعها وفق المجال الذي يضمها كلها، أي لم يجعل الأشياء المرتبطة بالطعام متتابعة، ولا الأشياء المرتبطة بالطرق، أو الأشياء المرتبطة بأدوات الحرب مضمومًا بعضها إلى بعض، وإنما رأينا أنه يفصل بين الكلمات المترابطة، بذكر أسماء العلماء الذين اعتمد عليهم في استقاء كلماتٍ مرتّبَةٍ بالباب أو بالفصل، بل إنه في بعض المواضع يبدأ الباب بما روي عن أحد العلماء كما في الباب الذي وسمه بـ: «فيما روي عن الأئمة وأبي عبيدة» [3] ، ثم أتبعه بفصل «في احتذاء سائر الأئمة تمثيل أبي عبيدة من هذا الفن» [4] . ففي الفصل الأول يتحدث عن الكأس وهو من أدوات الطعام، ثم نراه يتحدث في الفصل الثالث من هذا الباب عن الطبق، قائلًا: «لا يُقال للطبق مِهْدى: إلا ما دامت عليه الهدية» [5] .

إنَّ الأمثلة السابقة تعدُّ شاهدًا على أنَّ صاحب فقه اللغة سار على منهجٍ قائم على علاقات دلالية بين الألفاظ، إلا أنَّ هذا المنهج الذي ذكره لم يكن منطقيًّا في كثيرٍ من المواضع، وهذا ما عيب على معظم معاجم الحقول الدلالية العربية التراثية [6] . ولكنْ

(1) الثعالبي، فقه اللغة، ج 1/ص 44.

(2) السابق، ج 1/ص 44.

(3) السابق، ج 1/ص 44.

(4) السابق، ج 1/ص 45.

(5) السابق، ج 1/ص 46.

(6) د. أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت