فهرس الكتاب
يقولون: رؤية الجمال الإلهي، فهل يصيب جمال الله بالذهول والسكر؟ أو هو يوحي إلى المؤمن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ويشعره تمام الشعور بعظمة الله وجلاله وكبريائه، وبأنه عبد ذليل - وفي ذلته عزته - بين يدي الله.
إننا نرى آيات الله في مظاهر الوجود كله، وكل آية تدل على قدرة وحكمة وقيومية وجلال وجمال، فهل في رؤية هذه الآيات ما يصيب من يراها بالسكر؟
الحقيقة أن الصوفية لا يقولون بما أقول، وإنما يزعمون أنه سكر حين رأى الله، ورأى أن كل شيء هو الله، ففنت إنية العبد في هوية الرب، فتحدث المريد عن نفسه باعتبار أنه هو الله.
لأن للحقيقة الإلهية - في دين الصوفية - وجهان أو مظهران؛ وجه الخالقية، ووجه الخلقية، أو مظهر الربوبية، ومظهر العبودية، فيقال عن الحقيقة الإلهية: إنها رب باعتبار باطنها وإنها عبد باعتبار ظاهرها، فباطنها ربوبية، وظاهرها عبودية.
فهل يصدق هذا مسلم؟ إن من يقول هذا البهتان الزنديقي يصفونهم بأنهم أقطاب القديسين، وإذا أنكر عليهم رجل كابن تيمية نعتوه بأنه ضال مضل، أرأيت كيف قلب الصوفية الموازين.
وكان أخطر من قرب التصوف في صورة حسنة أبو حامد الغزالي وقد لمح هذه الحقيقة المستشرق جولدزيهر، فقال ما يحضرني معناه الآن: «كان التصوف قبل الغزالي سمًا أو بدعة غير معترف به من أهل السنة، فلما جاء الغزالي صالح بين السنة والتصوف» .
وقد استدرك الشيخ عبدالرحمن الوكيل على قول جولدزيهر بقوله: «لو قال صالح بين التصوف وقلوب المخدوعين لكان أوفق، فإن السنة لا تصلح تصوفًا؛ لأن التصوف خمول وضعف، وذلة واستكانة وخنوع الألوف من الناس تحت إمرة إنسان قد لا يفقه من دينه شيئًا» .
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نذكر أن الشيخ الوكيل كان منصفًا في العرض، فمن ذلك أنك نجده يقول أحيانًا: «إن متقدمي الصوفية يخلطون باطلًا بحق وحقًا بباطل» .
كما يقول أحيانًا أخرى عن بعض الصوفية: «إنه من الموسومين بالاعتدال» .
ورغم نقده الشديد لآراء الغزالي إلا أننا نجده أحيانًا يقول فيه: «وقد تكلم الغزالي عن حب العبد لله، وعن حب الله لخلقه، وفي كلامه عن الحبين لمعاتٌ من نور الحق ولكنها مغشاة بصوفية كثيفة الظلام» .
هذا ما يسر الله لي من الاطلاع عليه من كتابات الشيخ الوكيل عن التصوف من خلال رسالة صغيرة تسمى «صوفيات» وكتابه «هذه هي الصوفية» وكتاب مصرع التصوف - تحقيق - وكتابه «دعوة الحق» ، ومقالات في مجلة الهدي النبوي تحت عنوان: «نظرات في التصوف» ، وكتابه «زندقة الجيلي» .
وهو جهد المقل، جعله الله خالصًا لوجهه الكريم، وإننا لنضرع إلى الله أن يوفق إلى الخير الذي يحبه ويرضاه إنه سميع قريب مجيب الدعاء.