يسبقان إليه، أو يقال: هل سبقهما إلى هذا القول جماعة معينة من جماعات الأمة أم لم تقل به أي جماعة؟ فإن كان الأول: فعليهما إيراده هنا، وأنى لهما ذلك خاصة في أصول الدين، وإن كان الثاني: فهو يبطل مذهبهما؛ إذ كلامهما هذا لم يقل به أحد من طوائف الأمة؛ فإن كان حقا فقد فات الأمة كلها حق لم يتكلم به أحد، وهو يناقض دعواهما، وإن كان قولهما باطلًا؛ فلا حجة فيه!
الوجه الرابع: ظاهر قولهما أن أهل السنة غير أهل الحديث؛ حيث قالا: (سواء أكانت هذه الفرقة هي أهل السنة والجماعة، أو أهل الحديث .. ) وهذا عطف بينهما بحرف (أو) المفيد للمغايرة، وهذا قول لم يقل به أحد من السلف، ولعل المؤلفان رأيا أن الأشاعرة ينازعون السلف في اسم أهل السنة، فيقال: ومنهم من ينازع في اسم أهل الحديث كابن فورك في كتابه بيان مشكل الأحاديث (46) ، وإن كانت المنازعة في الاسم الأول أشد ..
الوجه الخامس: أن المؤلفين جزما أن الحق ليس محصورًا في طائفة، وجزما أنه لا يخلو منه جميع الطوائف .. والسؤال: لا يخلو حالهما من أمرين: إما أن يعلم المؤلفان مواضع الحق أو لا يعلمانه، فإن علماه وجب عليهما اتباع ذلك وبيانه؛ وعليه يكونان قد جمعا الحق الذي تفرق عند غيرهما لا سيما في الاعتقادات (الإيمان) ، وبهذا يُبطلان أصل مذهبهما في تفرق الحق، فها هو قد جُمع في شخصهما!
وإن لم يعلماه: فكيف أمكنهما تحديد نسبة كثرة الصوابات عند أحمد وغيره من غير علم؟
فإن قالا: علمنا الحق كله ظنًا لا يقينا، ويجوز العمل بالظنيات .. قيل لهما: هذا العلم الظني مخالف ليقينكما أو ظنكما بتفرق الحق بين الفرق؛ إذ حصرتماه الآن في شخصكما (ظنًا) ، كما أن العمل بالظن في الاعتقادات فيه نزاع بين الفرق، ولم يوافق على العمل به سوى أهل السنة ومن قاربهم مما لا يتسع المقام لبسطه هنا.
الوجه السادس: أن المؤلفين يكثران من الدعاوى ولم يذكرا تلك المسائل والأبواب التي أخطأ فيها أهل السنة في الإيمان ولو ذكرًا مجردًا فضلًا عن غيرها من الأبواب؛ إذ قالا: (فليس ثمة فرقة واحدة من المسلمين حازت كل ما عليه النبي وأصحابه من الإيمان، فضلا عن الإيمان والقول والعمل جميعا) .