الصفحة 15 من 89

تغن عنهما شيئا، وكان الأولى مقارنة أحمد بمعاصريه كبشر المريسي أو أحمد بن أبي دؤاد ونظائرهما؛ ليتضح الفرقان لعموم طلبة العلم الذين يعلمون حقيقة هذين الجهميين وكلام العلماء عنهما من سب وتبديع بل وتكفير، لا مقارنته برجل توفي في القرن الخامس؛ لتخف وطأة المقارنة عند من لم يعرف القاضي عبد الجبار، ويتوصلا بذلك إلى التشكيك في منهج أحمد وسائر السلف!

وهذه اللغة (التوعية للحقيقة) أو تفرق الحقيقة بين الطوائف الإسلامية ليس لها أي امتداد داخل التراث الإسلامي، وإنما هي فكرة وافدة من موجات المد التغريبي تحت ما يسمى بالتسامح الإيجابي في أوربا لا يتسع المقام لبسطها هنا [1] .

(1) قال عبدالرحمن بدوي في مقدمة رسالة التسامح لجون لوك (8) : (والقائلون بتساوي الأديان يؤكدون التسامح الديني؛ لأن كل دين حسن وحق، فكل دين حسن من حيث إنه يرضي نزعات أتباعه، ولا يوجد في نظرهم دين واحد يحتوي على كل الحق وحتى لو وجد فليس من الممكن تمييزه بيقين قاطع. والقائلون بالنسبية الدينية يقررون أن كل دين يكشف عن جانب من جوانب الحق، ولهذا كانت الأديان كلها ضرورية من أجل تحصيل الحق كله .. ) ثم ذكر ثلاث مراحل للتسامح، وما يعنينا هنا هو المرحلة الثانية (تعدد الفرق المسيحية على أساس مسيحي) ، ومنذ القرن السادس عشر وما بعده انطلقت الدعوة إلى التعايش السلمي بين الفرق النصرانية على يد مارتن لوثر ثم ما لبث أن نكص على عقبيه وقاد حملة شعواء ضد مخالفيه، ثم أبرمت معاهدة التعايش في منتصف القرن السادس عشر، قال جوزيف لوكلير في كتابه تاريخ التسامح في عصر الإصلاح (33) : (تم إبرام المعاهدة في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 1555 م بعد انعقاد للمجلس دام ستة أشهر وقد صدر على إثر ذلك وثيقة من اثنين وعشرين بندا تنظم التعايش بين الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية باستثناء الطوائف الأخرى .. ) ، ثم ذهب كاميرا يوس في مطلع القرن السابع عشر بعد أن شهدت أوربا صراعا بين ثلاث طوائف- اللوثريين والكلفانيين والكاثوليكيين- إلى التسامح الديني داخل الديانة النصرانية أو كما يقول جوزيف لوكلير في تاريخ التسامح (374) (على أن تسامح كاميرا يوس ينحصر بالطوائف المسيحية الكبرى) وهذا التسامح فيما يبدو ليس باعتبار أن الحق متفرق بين الطوائف، وإنما باعتبار عدم إيذاء الفرق المخالفة، ثم صدر كتاب كالسيتليون (مقالة في الهرطقة) وقرر-كما في تاريخ التسامح (428) -وزاد على سابقيه بما يوحي بتفرق الحق، فقال: (في مجال الدين غالبا ما نفتقر إلى اليقين اللهم إلا بالنسبة إلى بعض الحقائق العامة الكبرى كوحدانية الله .. بل بين المسيحيين الذين انقسموا في ما بينهم بسبب تنازعهم حول نقاط كثيرة، فليضعوا حدا لتبادل الاتهامات بالهرطقة طالما أن أحدا لا يمكنه أن يتهم أحدا بالعناد في الأمور الغامضة أو غير اليقينية، وقد تجرأ كالسيتليون فطبق على الخلافات العقائدية تلك النصائح التي كان يسديها القديس بولس إلى المؤمنين حول مسألة تناول اللحوم المقدمة للأصنام:"فعلى الذي يأكل ألا يزدري من لا يأكل، وعلى الذي لا يأكل ألا يدين من يأكل، فإن الله قد تقبله") فظاهر كلامه هنا أنه يؤمن بتعدد الحق داخل الديانة النصرانية، غير أنه ذكر في موضع لاحق أن من أخطأ فإنه يجتذب إلى الحق برحمة كما يجتذب الأتراك واليهود! فهذا التقرير حول الفرق النصرانية يشبه إلى حد كبير تقرير المؤلفين حول الفرق الإسلامية، وفي أواخر القرن السابع عشر أصدر جون لوك-المنظر الأشهر لليبرالية- رسالة في التسامح قرر فيها التعايش مع الأديان الوثنية كما قرر-وهو ما يعنينا هنا- ما يشبه تقرير المؤلفين؛ إذ قال في (80) : (كل كنيسة تعتقد في نفسها أنها مستقيمة الإيمان، وأن غيرها ضالة أو هرطقية، ذلك لأنه أيًا ما كانت عقيدة أية كنيسة فإنها تعتقد أنها على صواب، وأن غيرها على ضلال، وهكذا فإن النزاع بين هذه الكنائس حول صواب عقائدها وطهارة عبادتها متكافئ بين كلا الطرفين، ولا يوجد أي حكم سواء في القسطنطينية أو في أي بلد آخر على وجه الأرض ... فلينظر هؤلاء الناس كم يأثمون إثما فضيعا؛ إذ يضيفون الظلم إن لم يكن إلى ضلالهم) . فنلاحظ أنه في معرض حديثه عن التسامح يقطع بأن الحق موجود في الفرق النصرانية لكنه يقرر أنه لا يمكن تمييزه وهو قريب من تقرير الشيخين مع استبدال طوائف النصرانية بالطوائف الإسلامية .. مع فارق بأن هذا قرر عدم التمييز، وهما قد قررا القدرة على التمييز، ومذهبه أبعد عن التناقض من مذهبهما؛ لأنه إذا أمكن التمييز لزم ضرورة معرفة الحق، ومن عرفه واتبعه كان هو المحق وما سواه مبطل .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت