الصفحة 35 من 89

ظواهرها بمجموعها، وإن أراد به صرف ظواهر النصوص بالعقل، أو الكشف .. ، فهذا ليس مجمعا عليه، بل هو تحريف أجمع السلف على خلافه، وهو الذي يتعارض مع ظاهر النص من كل وجه، ويلزم منه أن الله لم يبين في كتابه الحق بل بيَّن فيه الضلال.

وقد تعقب ابن تيمية الأمثلة التي ضربها الرازي ثم قال في بيان تلبيس الجهمية [1] : (قد تبين بما تقدم من الوجوه الكثيرة أن هذه الآيات جميعها ليس فيها ما يجوز تأويله فضلًا عن وجوب تأويله) .

الوجه التاسع: أن هذا النقل عن ابن تيمية ليس فيه أن ظواهر النصوص ليست أصلا، ولم يذكر ذلك البتة، وإنما غايته أنه جوَّز صرف الظاهر في صورة مقيدة، وهذا لا ينفي أن يكون الأصل هو العمل بالظاهر، كما أن الأصل الاحتجاج بخبر الواحد عند الأئمة، ومنازعة بعضهم في الصور المقيدة كعمل أهل المدينة أو ما تعم به البلوى: لا ينفي صحة أصل العمل بخبر الواحد، والنُقْلة من المقيد إلى المطلق من غير برهان من المواضع السفسطائية.

الوجه العاشر: أنه غاية كلام ابن تيمية الذي ساقه المؤلفان هو جواز التأويل في بعض الصفات الذي هو بمعنى التفسير، وليس فيه وجوب ذلك، وإذا كان وجوب التأويل في الصورة المقيدة لا يتنافى مع أصل العمل بالظاهر، فجواز التأويل من باب أولى.

الوجه الحادي عشر: أن ما كان ظاهرًا في كلام العرب ولسانها ولم تصاحبه قرينة تقيد ظاهره، فهو على ظاهره، ولا يمكن أن يأتِ في الكتاب والسنة مخصِّصٌ منفصلٌ يستثني أكثر الظاهر من ذلك الخطاب؛ لأن هذا يفضي إلى اللبس، وهو مخالف لبلاغة القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، أما استثناء القليل من الظاهر فجائز، يوضحه:

الوجه الثاني عشر: أن مراد ابن تيمية بصرف الظاهر بدليل نقلي منفصل إما صرف بعض ظاهره أو أغلبه أو كله، لا جائزٌ أن يكون مراده صرف أكثره أو أغلبه؛ لأنه يمنع من ذلك في مواضع، فقال في الاقتضاء [2] : (واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة) ، والمؤلفان يوافقان على هذا كما سيأتي بإذن الله بيانه.

(2) (2/ 92) . وقال في مجموع الفتاوى (6/ 432) : (وَاللَّفْظُ الْعَامُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ الصُّوَرِ دُونَ الْكَثِيرِ بِلَا قَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَلْبِيسٌ وَعِيٌّ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ الشَّارِعِ.)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت