الصفحة 46 من 89

بوجود الله في كل مكان، أو كمتأخري الأشاعرة بنفي العلو، وتارة شبهوه بالجماد أو الموات كعامة الفرق المنحرفة التي تنفي عنه تعالى الحركة. [1]

والمقصود أن ظواهر النصوص تفيد أنه متصف بأوصاف الكمال لم يزل متصفا بها، وسيأتي مزيد بسط لها في الدلائل إن شاء الله.

4 -هذه المسألة قد أشار إليها السلف إشارات يسيرة، وهي ليس مما يكفَّر بها أو يبدَّع صاحبها وإن كان يخطَّأ إلا إن ظهر له الحق؛ إذ لأهل السنة فيها قولان:

القول الأول: أن الله كان لا يخلق ثم خلق، وهو قول طائفة من متأخري أهل السنة كابن جرير وابن منده وغيرهما:

أ-قال ابن منده (ت:339) : [2] (وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِالْخَالِقِ الْبَارِئِ الْمُصَوِّرِ قَبْلَ الْخَلْقِ) فظاهر هذا أنه كان لا يخلق ثم خلق؛ إذ ذكر أنه خالق قبل الخلق.

ب-وقال الآجري [3] : (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا بِصِفَاتِهِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَشْيَاءِ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا كَفَرَ) .

وقد يقال: إن قوله: (قَبْلَ خَلْقِ الْأَشْيَاءِ) أي المعهود من أشياء العالم كقول ابن عباس: (اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ) ؛ إذ العرش والماء من مخلوقات الله، لكنه أراد قبل أن يخلق شيئا من هذا العالم من سماء وأرض لا مطلقا، أو أنه يقصد قبل خلق الأشياء المعينة، وحدوث الأشياء المعينة لا يلزم منه حدوث نوعها، لاسيما أنه أثبت كلاما، والأصل أنه يكلم غيره .. فالله أعلم.

د- وفي جزء الحسن بن موسى الأشيب [4] :عن الْأَعْرَجُ، قَالَ: كَتَبَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ إِلَى جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، فَقَالَ: الْعَرْشُ، وَالْمَاءُ، وَالْقَلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ بَدَأَ قَبْلُ).وجابر بن زيد عالم من تلاميذ ابن عباس، وكلامه هذا ظاهر أن لجنس الخلق بدءا كان بعد أن لم يكن، وإنما النزاع في أيها أولا.

(1) قال البخاري في كتابه خلق أفعال العباد للبخاري (43) : (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ هُمُ الْمُشَبِّهَةُ، لِأَنَّهُمْ شَبَّهُوا رَبَّهُمْ بِالصَّنَمِ، وَالْأَصَمِّ، وَالْأَبْكَمِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ، وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَخْلُقُ، وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: وَكَذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُبْصِرُ نَفْسَهُ) .

(2) كتاب التوحيد: (2/ 76) .

(3) الشريعة: (1/ 490) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت