الصفحة 47 من 89

ويمكن أن يقال: هذا غير لازم؛ لأن لفظ (الخلق) قد يراد به جنس الخلق، وقد يراد به الخلق المعهود الذي أخبر الله عنه حين خلق هذا العالم، وما ثبت عن شيخه ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين كانوا يقصدون العالم المشهود، وهو الثابت في الأحاديث الصحاح؛ ويؤيد هذا كله حديث أبي رزين أنه سأل رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق خلقه؟ قال: (كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء) أخرجه أحمد والترمذي وحسنه، وصححه ابن جرير.

فلاحظ أنه قال: (قبل أن يخلق خلقه) أي هذا العالم، وقد بين الحديث أنه كان في عماء أي سحاب في أصح الأقوال. [1]

ج-وقال العلامة ابن جرير الطبري في تاريخ الرسل والملوك (1/ 35) : (وقد روينا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"أول شيء خلقه الله-عز وجل- القلم". من غير استثناء منه شيئا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله صلى الله عليه وسلم:"إن أول شيء خلقه الله القلم"كل شيء، وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشا، ولا ماء، ولا شيئا غير ذلك) .

وهذا ظاهر منه الإطلاق .. وكتاب التفسير والتاريخ من أوائل الكتب التي ألفها رحمه الله، وقد تراجع عن أشياء فيها كما سيأتي بسطه إن شاء الله.

القول الثاني: أنه لم يزل يخلق خلقًا بعد خلق، ويتكلم بكلام بعد كلام، وهو المشهور عن كبار السلف كأبي حنيفة، وأحمد، والكناني، وغيرهم ولم يعرف لهم مخالف.

1 -قال أبوحنيفة [2] : (لم يزل وَلَا يزَال بأسمائه وَصِفَاته الذاتية والفعلية)

نلاحظ أنه-رحمه الله-لم يفرِّق بين الصفات الذاتية والفعلية في أزليتهما، وأكد الأزلية بقوله: (لم يزل وَلَا يزَال) .

ثم قال: (وَأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وَغير ذَلِك من صِفَات الْفِعْل لم يزل وَلَا يزَال بصفاته وأسمائه لم يحدث لَهُ صفة وَلَا اسْم) .

(1) قال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: (تَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ فِي عَمَاءٍ يَعْنِي سَحَابَةً) كما في الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 170) ، ومعنى (في عماء) أي فوق السحاب كما هو الآن في السماء أي فوقها، وتحت هذا السحاب هواء وفوقه هواء، ثم خلق منه الماء والعرش والقلم وسائر خلقه.

(2) الفقه الأكبر: (14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت