فنلاحظ أنه بيَّن أن الصفات الفعلية هي التخليق والترزيق والإنشاء وأكد أزليتها مرة أخرى، فقال: (لم يزل وَلَا يزَال بصفاته وأسمائه لم يحدث لَهُ صفة وَلَا اسْم) والأصل حمل الكلام على ظاهره.
فإن قيل: إن المقصود هو أنه لم يزل ولا يزال يسمى بالخالق والصانع .. لا أنه لم يزل يخلق ويصنع!
وهو ما ذكره الطحاوي موضحا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه؛ إذ قال في متن الطحاوية: (مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ) ، ثم قال: (ليس بعد خَلَقَ الْخَلْقَ اسْتَفَادَ اسْمَ الْخَالِقِ وَلَا بِإِحْدَاثِهِ البرية استفاد اسم الباري) :ثم قال: (لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ ولا مخلوق) ، وهذا هو المشهور عن المتقدمين من الحنفية، وأما المتأخرين منهم فعلى مذهب أبي منصور الماتريدي الذي يقرر أن الإيمان هو الإقرار بالقلب، وأما النطق باللسان فدليل عليه كما في كتابه التوحيد [1] .
والجواب: أن هذا خلاف ظاهر كلام أبي حنيفة، فالتخليق والإنشاء والصنع من أفعال الله تعالى وهو لم يزل ولا يزال عليها، ومفعولاته مخلوقة، وقوله: (لم يزل) أي في الماضي، وقوله: (ولايزال) أي في الحاضر، ولم يفرق بينهما، وقال: (لم يزل .. خالقا بتخليقه والتخليق صفة فِي الْأَزَل، وفاعلا بِفِعْلِهِ، وَالْفِعْل صفة فِي الْأَزَل وَالْفَاعِل هُوَ الله تَعَالَى وَالْفِعْل صفة فِي الْأَزَل وَالْمَفْعُول مَخْلُوق وَفعل الله تَعَالَى غير مَخْلُوق) .
فكلامه ظاهر في حوادث لا أول لها، ولهذا خالفه بعض الحنفية في هذه الألفاظ فنفوها، قال الجصاص [2] : (لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا) ؛ لأن هذا يستلزم إما قدم شيء من المخلوقات كما تقول الفلاسفة وهذا كفر، وإما قدم جنس المخلوقات، وكل مفعول مخلوق كما قرره أبوحنيفة وغيره من السلف.
لكنَّ كثيرا ممن نفى قِدم جنس المفعولات من المتكلمين وبعض أهل السنة لم يتصوروا مذهب السلف تصورًا جيدًا، وظنوا أنه ليس إلا مذهب الفلاسفة أو المتكلمين، وإذا نفيت مذهب المتكلمين: لزمك مذهب الفلاسفة؛ ولهذا قرروا مذهب المتكلمين؛ إذ هو خير الأمرين، ولعل الطحاوي ظن هذا فقرر أنه يوصف بالتخليق والإنشاء والترزيق .. لكن
(2) أحكام القرآن: (1/ 397)