الصفحة 64 من 89

ولو سلمنا صحة هذا، فإن جُمَلًا من عقائد السلف ثابتة بإجماع الصحابة المنصوص عنهم، وقد خالفها أهل البدع في عصر التابعين وتابعيهم كالجهمية والمعتزلة والشيعة والرافضة، ومن ذلك على سبيل المثال علو الله، قال الدارمي في الرد على الجهمية (66) : (إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمِيعِ الْأُمَّةِ، مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ: نَزَلَتْ آيَةُ كَذَا فِي كَذَا، وَنَزَلَتْ آيَةُ كَذَا فِي كَذَا، وَنَزَلَتْ سُورَةُ كَذَا فِي مَكَانِ كَذَا. لَا نَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ: طَلَعَتْ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، وَلَا جَاءَتْ مِنْ أَمَامٍ، وَلَا مِنْ خَلْفٍ، وَلَكِنُ كُلُّهُ: نَزَلَتْ مِنْ فَوْقٍ.)

ومع ذلك فتنظير هذين المؤلفين فاسد لا يصح؛ وجواب المقدمة الأولى هو: أن بطلان الدليل المعين لا يستلزم بطلان المدلول، وهذه القاعدة العقلية متفق عليها بين العقلاء فيما أحسب، قال في الدرء (1/ 392) : (لا يلزم من ضعف الدليل المعين انتفاء المدلول) ، وقد ذكرها ابن تيمية في مواضع كثيرة جدا ..

والمعنى أن بطلان حجية إجماع التابعين وتابعيهم لا يستلزم أن فهمهم ليس يقينيا، بل بطلان الإجماع برمته لا يستلزم خلو عقائد السلف من اليقينيات باتفاق الناس إلا من كان مسفسطا؛ إذ يمكن الوصول إلى اليقين بصحة عقائد السلف بطرق كثيرة غير إجماع الصحابة القطعي ومنها:

الطريق الأول: أن القرآن والسنة مليئان بالنصوص الصحيحة الصريحة على صحة عقيدة السلف سواء ثبت إجماع أو لم يثبت، بل الأئمة متفقون على أنه لا اعتبار بأي قول إذا خالف النصوص، ولا فرق بين العقائد والأحكام، فلا يجوز نكاح التحليل، ولا بيع العينة، ولا أكل الحمر الأهلية، ولا شرب القليل غير المسكر غير العنب، ... إلخ مع ثبوت النهي عنها.

وقد ثبتت بالنصوص الصحيحة الصريحة جملة في باب القدر، وبعث الأجساد، وزنة الأعمال، وعذاب القبر، وأكثر آيات الصفات كصفة الكلام، قال الدارمي في الرد على الجهمية (155) : (قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ:"وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا"فَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا غَيْرَ نَفْسِ الْكَلَامِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت