حسنا .. فإن قيل: لماذا خالف أهل البدع في ظواهر الآثار مع إقرارهم بأصل القاعدة؟
والجواب أنهما تارة ينازعون في ضعف الداعي، وتارة ينازعون في التواطؤ على الكذب .. وهذان باطلان هاهنا.
1 -أما دعوى التواطؤ على الكذب مع قوة الدواعي فممتنع في العوائد، لا يجادل فيه إلا معاند، وهذه الدعوى من جنس دعوى الرافضة، قال محمد بن الحسن في الكسب (71) : (فلو جوزنا للمتأخرين ترك النقل لجوزنا مثل ذلك للمتقدمين فيودي هذا القول بما ذهب إليه الروافض أن الله تعالى أنزل آيات في شأن علي رضي الله عنه وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث في فضله والتنصيص على إمامته غير أن الصحابة رضي الله عنهم كتموا ذلك حسدا منهم له وعند أهل السنة رحمهم الله هذا كذب وزور ولا يجوز أن يظن بأحد من الصحابة رضي الله عنهم هذا فكيف يظن بجماعتهم ولو كان شيئا من ذلك لاشتهر ذلك) .
2 -وأما عوى المنازعة في ضعف الدواعي، فلا ريب أنها إن ضعفت=ضعفت حجيتها، لكنها إذا قويت الدواعي فهي حجة أكيدة كآيات الصفات وغيرها من أبواب العقائد في الجملة؛ لأن ظواهر الآثار التي تأولها متأخروا الأشاعرة تفوق الألف أثر كما يقول الغزالي ولم يتأولها النبي وأصحابه، فقال في فضائح الباطنية (154) : (من أخبارٍ لعلها تزيد على ألف وأنتم تعلمون أن السلف الصالحين ما كانوا يؤولون هذه الظواهر بل كانوا يجرونها على الظاهر) ، فكيف بغيرهم من المعطلة المعتزلة والرافضة؟ وكيف إذا كانت هذه الظواهر عندهم=ضلال أو كفر؟؟
الطريق الخامس: أن أهل الحديث من التابعين وتابعيهم معلوم عنهم بالاضطرار شدة التمسك بآثار من قبلهم، والحرص عليها، والعض عليها بالنواجذ، فإذا اشتهر إنكارهم في البلدان على طائفة مبتدعة أو على قول مبتدع، كإنكارهم على من أنكر حجية خبر الآحاد، أو مخالفة ظواهر النصوص من غير دليل نقلي ونحو ذلك= علمنا قطعا أنه خالف إجماعا متحققا، أو فهما قطعيا؛ لأنهم لا يفعلون ذلك فيما ليس فيه إجماع، ولا فهم قطعي، ولا تتفق طباعهم على ذلك إلا بفهم قطعي، وقد أسس هذه الحجة الإمام الشافعي