وقال الطحاوي (ت:321) في أحكام القرآن (1/ 65) : (وجوب حمل هذه الآيات على ظاهرها وجوب حملها على عمومها، وإن كان بعض الناس قد ذهب إلى أن العام ليس بأولى بها من الخاص، إلا بدليل آخر يدل عليه إما من كتاب، وإما من سنة، وإما من إجماع فإنا لا نقول في ذلك كما قال، ولكنا نذهب إلى أن العام في ذلك أولى بها من الخاص) .
وقال أبو الحسن الأشعري (ت:324) في آخر كتبه الإبانة (139) : (وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى:"لما خلقت بيدي"على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة.
ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين).
وكلام السلف في هذا كثير جدا؛ ولهذا حكى ابن جرير الطبري الإجماع على ذلك، فقال في تفسيره (2/ 207) : (قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه-من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم، من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم-من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله، فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله-صلى الله عليه وسلم-، على العموم الظاهر، دون الخصوص الباطن، إلا أن يخص بعض ما عمه ظاهر التنزيل كتاب من الله، أو رسولُ الله، وأن التنزيل أو الرسول، إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمت ذلك الجنس خاصة، وسائر حكم الآية على العموم؛ على نحو ما قد بيناه في كتابنا"كتاب الرسالة"من"لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام"في قولنا في العموم والخصوص، وموافقة قولهم في ذلك قولنا، ومذهبهم مذهبنا، وتخطئتهم قول