ويبدو أن أبا منصور يقصد الرد على ابن جرير الطبري، لكن هذا غلط شنيع منه؛ إذ غاية التخصيص أن يكون نسخا، وهو جائز في الأحكام، وليس من البدوات في شيء، والصواب الذي عليه جمهور الناس أن التخصيص ليس نسخا، وإنما بيان لإرادة المتلكم؛ ولهذا فإن الصواب أن التخصيص لا يأتي على أكثر أفراد العام؛ لأن بخلاف الظاهر، وهو عي في اللسان.
وقال الباقلاني-وهو جهمي-في الانتصار للقرآن (2/ 754) : (فإن لفظة كل ليست موضوعة للاستغراق والعموم بل هي معرضة للعموم والخصوص، وكذلك جميع وسائرُ وأيُّ ومَن، وكل لفظِ يَدَّعي القائلون بالعموم أنه موضوع هو محتمل للعموم والخصوص) .
وهذا المذهب يفضي إما إلى اللبس في اللغة والتوقف، وإما أن يفضي إلى القرمطة في اللغة، وهو من جنس المذهب الهرمونوطيقي الحديث.
والعجيب أن المؤلفين أكثرا من النقل عن ابن تيمية وبايناه في غالب تقريراتهما، فأتيا بتقريرٍ قد شنَّ عليه ابن تيمية حربا ضروسا، حتى وصف أصحابه بالطماطم والجهال، وسَخّف مذهبهم، ووصفهم بالشرذمة!
فقال في مجموع الفتاوى (31/ 113) : (وهذا شبهة من شبهات بعض الطماطم من منكري العموم؛ فإنهم قالوا: لو كانت هذه الصيغ عامة لكان الاستثناء رجوعا أو نقضا، وهذا جهل) .
وقال في مجموع الفتاوى (6/ 442) : (فهو مذهب منكري العموم من الواقفة والمخصصة وهو مذهب سخيف لم ينتسب إليه. وإن لم يكن مانعا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته أن يقال: دلالة العموم أضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يقر؛ فإنه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام. ثم يقال"ثانيا": من الذي سلم لكم أن العموم المجرد الذي لم يظهر له مخصص دليل ضعيف؟) .
بل إن المحققين من أهل العلم شنّعوا على من خصص اللفظ العام بمجرد الاحتمالات، قال ابن القيم في الصواعق المرسلة (2/ 683) : (إن القدح في دلالة العام باحتمال الخصوص ...