الصفحة 80 من 89

والصيغ صيغ عموم؛ لكن العام يقبل التخصيص؛ وهذا مذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين إلا هذه الشرذمة).

ويتبادر إلى الذهن سؤال آخر: كيف تسللت هذه الشبهة إلى المؤلفَين؟

قد يقال إنهما يتبنيان مذهب الإرجاء كما أشرنا إلى ذلك، ولا أظن هذا كما تقدم، وإنما يبدو لي أن هذه الشبهة وردت إليهم عن طريق سوء فهم لكلام ابن تيمية في الآتي:

منها: خلطهما بين العام المجرد، والعام عند التخصيص المنفصل الذي لا يجوز أن يستغرق أغلب أفراده؛ ولهذا لم يجوز المؤلفان (أن تستعمل التعميمات مع ما هو قليل لا يرقى لمرتبة الكثير .. )

فلاحظ أنهما يتحدثان عن العام دون مخصص، وابن تيمية في قريب من هذا الكلام يستعمله في المخصص المنفصل لا غير، فقال كما في مجموع الفتاوى (6/ 432) : (فلما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"فإنكم ترونه كذلك؛ يحشر الناس فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه". أليس قد علم بالضرورة أن هذا خطاب لأهل الموقف من الرجال والنساء؟ لأن لفظ الناس يعم الصنفين، ولأن الحشر مشترك بين الصنفين. وهذا العموم لا يجوز تخصيصه وإن جاز جاز على ضعف؛ لأن النساء أكثر من الرجال إذ قد صح أنهن أكثر أهل النار، وقد صح لكل رجل من أهل الجنة زوجتان من الإنسيات سوى الحور العين، وذلك لأن من في الجنة من النساء أكثر من الرجال وكذلك في النار؛ فيكون الخلق منهم أكثر واللفظ العام لا يجوز أن يحمل على القليل من الصور دون الكثير بلا قرينة متصلة؛ لأن ذلك تلبيس وعي ينزه عنه كلام الشارع.)

لاحظ تفريقه بين المخصص المنفصل والمتصل .. فلم يجوِّز في التخصيص المنفصل تخصيص أكثر الصور، بينما جوَّز ذلك في المخصص المتصل.

ومنها: ما ذكره المؤلفان من أن إيراد الاستثناءات (خطأ وعجمة لسانية) ، فقالا: (الوحي مملوء بالتعميمات مع وجود استثناءات ومع ذلك لا يلتزم الوحي ذكر الاستثناءات؛ لأن التعميم لا يستلزم الاستغراق أصلا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت