بخلو الأمر من استثناءات، حيث تحرر البعض من تلك الأحكام السابقة وأخذ يدرس هذه النصوص بمنظور مختلف. أذكر هنا مديحة يوس، وهي بالأساس متخصصة في الدراسات اللغوية، ولكنها تحاول أن نجمع ما بين مجال اللغويات والسياق التاريخي (1) . لقد قامت مديحة دوس، بالتعاون مع هيفري ديفيز Humphrey Davies، بنشر مختارات من الأعمال المكتوبة باللغة العامية، كان من بينها عدد من النصوص بعود تاريخها إلى العصر العثماني). ولكن يظل اهتمام اللغويين، الذين درسوا مثل تلك النصوص منصبا على النواحي الفنية، ومن ثم، تكون طريقة دراستهم لتلك النصوص مختلفة عن طريقة دراسة المؤرخين لها. ولعل هذا الأمر يتضح من التطورات في كلا المجالين؛ فبينما تحرر مؤرخو العصر العثماني من منهج التدهور الذي سيطر على الدراسات التاريخية لعدة عقود مضت، لايزال دارسو الأدب واللغة يتعاطون هذا النموذج في أعمالهم.
وإذا قمنا بدراسة اللغة باعتبارها أحد العناصر في عملية التطور التاريخي واعتبارها أحد مصادر دراسة وفهم جوانب مختلفة في المجتمع، يمكن أن تتعظم الفائدة، ونثري مصادر الدراسات التاريخية الاجتماعية. فيمكننا أن ندرس اللغة باعتبارها أحد العوامل لكي تلقي الضوء على عصر ما، وكذلك کي نرصد التأثير المتبادل بين التاريخ واللغة، وهذا من شأنه أن يضيف بعدا جديدا لفهمنا للعصر، ومن ثم، عندما نرصد تغييرات في اللغة، فلا يمكن تفسير هذه التغييرات في إطار النظريات اللغوية، أو المناهج اللغوية، ولكن بالأحرى أن تفهم في إطار الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية أو السياسية لهذا العصر بعينه. مثل هذه التغييرات تتطلب منا
,46 و 11:1998) 27
8 (2) مديحة يوس، وهمفري ديفيز (جمع وتقديم: العامية المصرية المكثرية القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013 م.