الصفحة 193 من 223

من بين هؤلاء الكبار كان عبد الرحمن الجبرتي صاحب عجائب الآثار. فعلى الرغم من انتمائه، كوالده حسن الجبرتي، إلى نخبة العلماء المرتبطين بالأزهر، فإنه استخدم لغة تضمنت تعابير ومفردات عامية عديدة. وسجل الجبرتي في حولياته الأشعار التي ألفها بعض معاصريه، من بينهم الشاعر الساخر الشيخ حسن البدرى الحجازي. وحفظ لنا الجبرتي معظم ما نعرفه عن شعر الحجازي، وهنا أيضا أورد الجبرتي الأشعار الحديثة التي استخدمت اللغة العامية بكثافة (1) . من ناحية أخرى ألقي کتاب الجبرتي الضوء على ظاهرة أخرى في تلك الفترة، حيث كثيرا ما يشير الجبرتي إلى الرسائل المتبادلة بين المماليك، رسائل تسمى"التذاكر"أو"المكاتيب، وهذه الأنواع من الرسائل لم تكن في شكل الرسائل التقليدية، بل كانت في معظمها رسائل يتبادلونها لإخبار بعضهم بعضا عن تطورات أو أخبار جديدة، أو للتحذير من أخطار قادمة، وعلى سبيل المثال، يحكى الجبرتي أنه في أثناء الحرب الدائرة بين البيوت المملوكية عام"

1711/ 1122 م، كان يتم التواصل كتابة بين الأحزاب المختلفة لتبادل المعلومات حول الأوضاع، أو للتحذير من الخروج للشارع والبقاء في المنزل، أو لإيقاف الحرب (؟) . بعض من هذه الخطابات وصلت إلينا وهي قيد الدراسة الآن، ويقوم على نشرها ناصر إبراهيم. وهذه الخطابات كتبت بطريقة تستخدم العامية. وهذا أمر منطقي، أولا، لم يكن جميع المماليك يعرفون اللغة العربية، ولم يكن جميعهم بالفون العربية الفصحى. ثانيا، يمكن أن نستنتج مما ذكره الجبرتي عن هذه المراسلات أنها كانت عبارة عن مذكرات قصيرة لنقل معلومة إلى صديق أو زميل، ولم تكن في شكل الرسائل المنمقة التي تتبع تقاليد معينة في كتابتها (3) . لم يحاول الجبرتي أن يصحح اللغة المستخدمة في هذه الأنواع المختلفة من الكتابات ..

(1) عبد الرحمن الجبرتي: مجانب الآثار في التراجم والأخبار، مجلدا؛ تحقيق: عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، القاهرة: دار الكتب المصرية، 1998 م، ص ص 02 - 55.

(2) السابق، مج 1، صص 79 - 7

(3) بعض هذه الرسائل وصلت إلينا، ويقوم على نشرها ناصر إبراهيم، وأكد لي ناصر أن اللغة المكتوبة بها هذه الرسائل تستخدم تعبيرات عامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت