هناك أيضا مفكر أخر كبير في القرن الثامن عشر، وهو مرتضى الزبيدي (ت. 1791 م) ، رجل على جانب عظيم من العلم، ومن بين علماء الأزهر المرموقين، ألف قاموسه الشهير تاج العروس في ثمانية عشر مجلدا، وهو في حقيقة الأمر ليس قاموسا فحسب بل بعد موسوعة علمية، وهو العمل الأكبر في اللغة العربية، ولايزال هذا القاموس بعد أداة رئيسية في اللغة العربية، ولكن للأسف، لم ينل حظه الكافي من الدراسة والعمل، سواء من قبل اللغويين أو المؤرخين، بالرغم من المجالات العديدة التي يتيحها هذا العمل للبحث والدراسة. كان الزبيدي عالما متبحرا في علوم العربية الفصحى، ومتمكنا لا مثيل له في فقه اللغة (1) . ولكنه أدرج في قاموسه عددا كبيرا من الكلمات العامية، قاربت على الألف كلمة، حسبما أشارت دراسة حديثة لعبد الجواد راغب). لم يقتصر الزبيدي على الكلمات العامية المتداولة في القاهرة، بل أورد کلمات عامية كانت مستخدمة في مناطق عديدة من البلاد الناطقة بالعربية التي سافر إليها الزبيدي، مثل اليمن، موطنه الأصلي. يعد هذا القاموس انعكاسا لتصور الزبيدي للعالم الإسلامي، ولقيمة البعد المحلي في هذه الصورة. لم يتوقف الأمر على إيراده للكلمات العامية، ولكنه لم يتناولها بالنقد أو السخرية، ولم يعلق عليها بشكل سلبي أو يصفها بأنها أخطاء يجب تصويبها. على العكس، ضمن الزبيدي قاموسه هذه الكلمات العامية لأنها أصبحت راسخة داخل منظومة اللغة المكتوبة، ومن ثم قبل الزبيدي بصحتها. كان قاموس الزبيدي هو القاموس الأساسي المعول عليه لمدة قرنين من الزمان، ومن ثم يجب أن يفهم ورود كلمات عامية في مثل هذا القاموس في سياق الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لعصره. لقد كان عمل الزيدي نتاجا لتطورات بدأت في التشكل منذ القرن الثالث عشر، حتى أثمرت في النهاية عن هذا الوليد.
و Biolon Meichwth , The word (1)
(2) عبد الجواد إبراهيم راغب: لفة العامة في تاج العروس، القاهرة مكتبة الآداب 2008