الصفحة 217 من 223

بعد ذلك، شكل بروز سجلات المحاكم الشرعية، واعتبارها مصدرا أساسيا لدراسة التاريخ العثماني، دفعة قوية للدراسات حول الطوائف، فتوالت الكتب والمقالات التي تعالج نواحي متعددة في تاريخ الطوائف في المدن المختلفة للدولة العثمانية، مثل: القاهرة، إستانبول، بورصا، دمشق، القدس. وأظهرت هذه الدراسات الحديثة صورة مغايرة، حيث أوضحت أن بني هذه الطوائف لم تكن جامدة، بل تميزت بالمرونة، وأنه كانت هناك اختلافات عديدة بين الطوائف المختلفة، كذلك تباينت أشكال علاقة الطوائف بالدولة، وأشكال علاقة الطائفة بأعضائها. كما كان للطائفة القدرة على تغيير نظمها الداخلية وفقا لمعطيات تاريخية. ومع تزايد الدراسات حول هذا الموضوع، صار من الواضح وجود اختلافات بين الحرفيين وطوائفهم في مدينة ما، وبين نفس الحرفيين وطوائفهم في مدينة أخرى، وعلى سبيل المثال، كان لسلطة الدولة المركزية ونن أكبر في طوائف الحرف في إستانبول ومدن الأناضول الأخرى، بينما لم تكن بنفس هذه الدرجة في القاهرة، ويري تيمور کوران Timur Kuran بأن الدولة حجمت من قدرة الطوائف في مدن الأناضول على المناورة، وقلصت إمكانيات تطورها (1)

وبينت الدراسات الحديثة وجود روابط ما بين نظام طوائف القرن الثامن عشر وبين الظروف البولية المستجدة في تلك الفترة. أحد التوجهات في هذه الدراسات ركز على بحث طرق رد فعل الطوائف على تزايد التهديد الأوروبي، حيث تسببت النهضة الاقتصادية والتجارية الأوروبية في القرن الثامن عشر في حدوث أزمة اقتصادية ومالية للدولة العثمانية، مما نتج عنه تدهور أوضاع الطوائف، وتدهور إنتاجها (2) . كان الاستيراد البضائع الأوروبية أثر مدمر على منتج الحرفيين، كما كان لتصدير المواد الخام التي يستخدمها هؤلاء الحرفيون المحليون هذا الأثر نفسه، اتجاه أخر في هذه الدراسات اهتم بتوضيح كيفية رد فعل الحرفيين وطوائفهم على مخاطر تدفق البضائع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت