بعد أن نجح ميرابو بمهمته، أخذ يدفع صديقه للانزلاق في الرذيلة والفجور، حتى هوي إلي نفس الدرك الذي كان هو قد وصل إليه من قبل، وقاده إلي العزلة الاجتماعية .. ولم تمض أربع سنين، حتى ناء كاهل الدوق دورليان بالديون الباهظة، بحيث لم ير مفرا من الاقتناع باللجوء إلي طريقة خطرة، هي الاشتراك في عمليات التهريب والتجارة المحرمة حتى يسترد بعض خسارته .. إلا إن مغامراته كانت دائما تبوء بالفشل ويفتضح أمرها بطريقة غامضة، مما زاد موقفه سوءا وحمله خسائر أفدح.
وفي عام 1780 بلغت ديونه مبلغ 800.000 ليره فرنسية .. وحينئذ تقدم المرابون ثانية، وشرعوا يقدمون له النصائح المتعلقة بأعماله المالية، ويمدونه بالمعونة النقدية .. وحبكوا دسائسهم حوله، واستخدموا مهارتهم في المناورة، حتى وصلت أوضاعه إلي درجة من السوء، لم يجد معها بدا من رهن جميع أملاكه وأراضيه وقصوره، بما فيها القصر الملكي المخصص له، كضمان للديون التي بذمته .. ثم وقّع الدوق دورليان عقدا بإذن لدائنيه اليهود، بإدارة كل ما يخصه من أرض وممتلكات، حتى يؤمنوا له مبلغا يكفي لسداد ديونه، ويعطوه دخلا مناسبا ثابتا يمكّنه من العيش.
لم يكن الدوق دورليان يوما بالرجل الألمعي فيما يختص بالقضايا المالية .. وكان أغلب الظن لدية وهو يوقع العقد مع الصيارفة اليهود، أن الاتفاق صفقة سليمة .. فقد تعهد المرابون بإدارة ممتلكاته وتحويل عجزه المالي إلي نجاح .. وهل كان يريد أكثر من ذلك؟ .. لا ريب في أن الدوق لم يكن يشك أبدا في أنه بتوقيعه ذلك العقد، باع نفسه جسدا وروحا إلي الشيطان .. ولكنه فعل ذلك وأصبح بين أيدي العملاء بكلّيّته.
وعينت القوي الخفية يهوديا من أصل إسبانيّ، للإشراف علي أملاك الدوق دورليان وعلي قصره الملكيّ"الباليه رويال".. وكان اسم هذا المشرف اليهودي شودرلوس دي لا كلوس .. وكان شودرلوس معروفا بكتابه"العلاقات الخطرة"، وغيره من الكتب الجنسية الفاضحة .. وكان يدافع علنا عن فسقه المتمادي، بأنه إنما يدرس سياسة الحب من كل جوانبه لأنه مغرم بالسياسة!!
وقد حول قصر الدوق الذي عهد به إليه، إلي أضخم وأشهر دار للتهتك عرفها العالم حتى ذلك الوقت .. ليصبح المركز الذي تصمم وتنفذ فيه، تفاصيل الحملة الهادفة إلي تحطيم المعتقدات الدينية والأخلاق العامة في فرنسا .. وكان كل هذا يتم علي أساس المبدأ الحاخامي:"أفضل الثوريين شاب مجرد من الأخلاق"!
ولم يكن شودرلوس دي لاكلوس وحيدا في مهمته، بل كان له شريك يهودي أيضا اسمه كاغليوسترو بجوزيف بالسامو من باليرمو .. وقد حول هذا أحد منازل الدوق إلي مركز للطباعة،