بينما قد يرد الحكم بمعنى (الحكمة) لا التشريع أو القضاء. وهذا إنما هو من الفروع. قال عز وجل في حق يوسف: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) (يوسف:22) . ونحوه قوله تعالى: (ما كان لبشر أن يأتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله) ... الآية. (آل عمران:79) . والمفسرون على أن الحكم في الآيتين هو بمعنى (الحكمة) . قال أبو جعفر الطبري: ("والحُكْمَ"يعني: ويعلمه فصل الحكمة) (35) .
ولا دلالة في القرآن (للحكم) على المعنى السياسي، أي (السلطة) . وما أحسب إلا أنه حادث. قال الدكتور حسن مصعب: (وكلمة"الحكم": تعني عندئذ في كل جماعة من الجماعات: السلطة المنظمة، ومؤسسة القيادة والإكراه) (36) .
والقارئ لنصوص المودودي وسيد رحمهما الله، وكذا ما ذكرناه عن القرضاوي من مرادفة بين (الإمامة) و (الحكم بما أنزل الله) ؛ يدرك أنهم جميعا لا يفرقون بين المفهومين في استعمال كلمة (حكم) أو (حاكمية) . وذلك هو مبدأ الإشكال.
وما أدق تعليق الدكتور محمد عمارة على ذلك إذ قال: إنهم قد (اشتقوا"حاكمية"الله سبحانه وتعالى من مصطلح(الحكم) ؛ ظانين أن القرآن، ومن ثم الفكر السياسي الإسلامي، يستخدمان مصطلح (الحكم) ؛ للدلالة على النظام السياسي والسلطة السياسية العليا في المجتمع؛ على حين أن أغلب الاستخدامات القرآنية لهذا المصطلح واردة بمعنى (القضاء) والفصل في المنازعات، وبمعنى الحكمة أي الفقه والعلم والنظر العقلي. ولا علاقة لها بالخلافة أو الإمامة، أو ما نسميه نظام الحكم في أدبنا السياسي الحديث) (37) .
قلت: هو كما قال، فإنما استقرت دلالة (الحكم) في تاريخ التشريع الإسلامي على معنى (القضاء) . فتلك نتيجة استقرائية؛ لمن تتبع نصوص