فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 210

إن عملا إسلاميا كهذا معناه أن (تسيسه) قد مسه في جوهره، واصطبغت حقيقته الوجودية به، على حساب المعاني الدينية التعبدية. حتى صار مقياس التدين عنده مبنيا على مدى ما يضمره الفرد من مواقف سياسية ضد هذا النظام، أو ضد تلك الحكومة، أو ربما ضد المجتمع بأكمله! فيفقد بذلك توازنه على ما قررناه في الفصول السابقة من هذا البحث.

ويتم اختزال التدين ـ كل التدين ـ في المقولة النقدية التي قعدناها في كتاب لنا من قبل. وهي كما يلي: (الموقف السياسي يقود إلى الصلاة! والصلاة تقود إلى الموقف السياسي! وأعني بهذه المقولة النقدية: أن الدعوة إلى التدين ـ بهذا المنطق ـ دعوة قائمة عمليا على التعبئة لموقف سياسي معين! كما أن ذلك الموقف السياسي ـ من جهة ثانية ـ يصوغ التدين في صورة معينة! كل ذلك في نهاية المطاف يقدم الصورة الاجتماعية للتدين على أنه(حركة احتجاجية) أكثر مما هو (حركة تعبدية) ، بالمعنى الحقيقي للكلمة!) (1)

كما أن ذلك يطبع الوجدان النفسي للمنخرطين في إطاره، والمتعاطفين معه؛ بنوع من القتامة القابلة للاشتعال؛ حتى ليتوهم الفرد أن الدين إنما هو هذا: الاحتجاج بشتى الأشكال، وما سواه فإنما هو لعب ولهو!

هذا هو جوهر الإشكال!

إذن يمكن الآن ـ قبل الدخول في التحليل والاستدلال ـ صياغة الدعوى: وهي أن الصدام السياسي الذي يطبع عمل بعض الحركات الإسلامية إن هو إلا (نفسية) معينة، تكونت في ظروف ما. ولذلك عبرنا عن هذا المبحث بما قرأت: (الحركة الإسلامية المعاصرة ونفسية الصدام السياسي) .

إن هذه الظاهرة هي المسماة في التعبير القرآني والحديثي بـ (الغلو) أو (الغلو في الدين) . قال عز وجل: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) (النساء:170) وقال سبحانه: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق) (المائدة:79) . وما فتئ النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذر أمته من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت