فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 210

خلال (الانتصاب) للإمامة الدعوية، على حد تعبير الإمام أبي إسحاق الشاطبي. كما في قوله رحمه الله: (واجب على العالم المجتهد الانتصاب، والفتوى على الإطلاق) (3) . وقوله عن سلوك الصحابة في تتبع سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم: (وكانوا يبحثون عن أفعاله، كما كانوا يبحثون عن أقواله. وهذا من أشد المواضع على العالم المنتصب!) (4) .

إن (البعثة) الدينية تضطلع بوظيفتين كبيرتين: وظيفة مفهومية، وأخرى وجدانية. فالأولى هي: عملية تجديد الوعي بالمفاهيم الدينية على مستوى الفهم. والثانية هي: عملية تجديد الإحساس بها على مستوى الوجدان، أو القلب؛ مما يرسخ الشعور بالانتماء للإسلام حقا؛ وبذلك يكون مشروع التجديد أكثر قابلية للتوغل في البنية الاجتماعية للمجتمع. وهذا في حد ذاته أكبر الحصون في بناء الذات من جديد، وحفظها من ريح (العولمة) ، بل تمكينها من المشاركة العالمية المتميزة، موجِّهة ومنتجة، لا مستهلكة فحسب!

إن محمدا بن عبد الله عندما دعا ـ أول ما دعا ـ إلى الله علنا؛ خطب في الناس بأنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد! رغبة في إحداث هزة وجدانية، فيما يتعلق بضرورة التفكير الجدي في المصير الوجودي للإنسان!

ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يدعو الناس إلى معنى غيبي: هو النظر إلى (اليوم الآخر) . فكان لذلك بشيرا ونذيرا. هذه هي حقيقة الدعوة الإسلامية، قبل أن تكون مشروعا سياسيا، أو (حلا) اقتصاديا، أو رؤية اجتماعية ... إلخ. ونحن لا ننفي أن يكون لها بكل ذلك شأن. ولكن يجب أن نفهم أن الكلمات الأولى للإسلام ـ قرآنا وسنة ـ إنما كانت أمرا بالنذارة!

فمن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت(وأنذر عشيرتك الأقربين) خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحا! فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت