بين يدي عذاب شديد! قال أبو لهب: تبا لك. ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت:"تبت يدا أبي لهب وتب") (5) .
فالإسلام دين (وجودي) بالدرجة الأولى. أي من حيث هو متعلق بتفسير موقع الإنسان من الوجود، ودوره فيه، ثم مآله الذي هو آئل إليه. إنه جاء أصالة؛ ليقدم أجوبة عما يسمى بالأسئلة الخالدة: من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟ أسئلة كلها تضرب في عمق (الغيب) !
ولذلك كان (الإيمان بالغيب) أول صفات المتقين! قال عز وجل: (ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يومنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون. والذين يومنون بما أنزل إليك. وما أنزل من قبلك. وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) (البقرة:1 ـ 4) . تلك آيات بينات، تدل على أن التقوى إنما هي التفاعل الوجداني (بالغيب) أصوله وفروعه؛ إيمانا يفيض عملا تعبديا؛ يصل العبد بالله!
إن (الوجودية) الدينية في الإسلام، قائمة على قضية (الخلق) ، التي بمقتضاها خوطب الإنسان خطاب تكليف. ومن هنا كان يجب أن تنطلق الدعوة الإسلامية، كما انطلقت ـ أول ما انطلقت ـ مع محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه مقدمة لابد من إثباتها أولا؛ للبناء عليها. وبيان ذلك كما يلي:
إن قضية الإنسان في هذا الوجود: هي أنه لم يكن ثم كان!
كيف إذن؛ ولماذا؟ تلك هي القضية!
القضية التي أرقت الإنسان منذ كان! ولم تزل إشكالا غامضا، من غوامض الإشكالات، لدى سائر اتجاهات الفكر الفلسفي، في القديم والحديث، سواء منها المؤمنة والجاحدة.
إن الإنسان، عندما يشعر أنه مخلوق لخالق؛ يجد رغبة ملحة في البحث عن هذا الخالق؛ ليعرف مصدر وجوده. فالوجود الإنساني: هو النعمة الأولى