الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يلقى في النار) (متفق عليه) . فالحلاوة أمر ذوقي شعوري، لا علمي. فكم من مدرك ذهني غير مدرك بالوجدان. وهنا تكمن المشكلة!
إن (الإحساس بالربوبية) على المستوى النفسي سر من أسرار التعبد، من حيث هو إقبال وإدبار، أو شرة وفترة، أو قبض وبسط. وضعف هذا الشعور في النفس والمجتمع مؤد بالضرورة إلى ضعف التدين ثم الانقطاع عنه.
والمقصود (بالإحساس بالربوبية) : استشعار توحيد الربوبية كما فصله علماء التوحيد. بيد أن لنا ههنا نكتة إيمانية، أو لطيفة دعوية: هي (سر) المسألة. وبيانها كما يلي:
إذا كان العلماء قد شرحوا توحيد الربوبية: بأنه الإقرار بتفرد الخالق سبحانه وتعالى في ملكه للعالمين، وإسناد كل شيء له (خالق كل شيء؛ فاعبدوه!) (الأنعام:102) ومن هنا سيادته على خلقه أجمعين، أمرا وتقديرا، وخلقا، وتدبيرا. قلت: فإن اعتقاد ذلك يجب أن يتبع باستحضار دائم على مستوى الوجدان، حيث ينمو في النفس الشعور بالعبودية لله الواحد القهار؛ الذي هو مقتضى المخلوقية وزكاتها، كما أنه مقتضى الخالقية وحقها! ومن هنا كان الأمر الوارد في القرآن للناس بالعبادة قائما على هذا الأساس. أي حق الرب الذي قد خلق؛ على كل ما ـ ومن ـ خلق. وهذا ما فصلوه في معنى: (توحيد الألوهية) . فتعظيم الربوبية مؤد ـ بإذن الله ـ إلى تعظيم الألوهية؛ ولذلك قال تعالى كما ذكرنا: (خالق كل شيء؛ فاعبدوه!) . وذلك كمال الدين.
إن إحساس الناس اليوم بمخلوقيتهم ضعيف جدا! وهذا هو أساس الدعوة إلى الله، الله الخالق للإنسان وللعوالم أجمعين. ودعوة الناس إلى الله هي دعوة لهم ليعودوا إلى سرب العابدين. إنها العودة إلى نسق المدار، حيث تدور الأفلاك بأجرامها سيرا إلى الله الواحد الأحد. إن عناصر الوجود كلها ـ