فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 210

إلا من استثنى الله من العصاة ومردة الجن والإنس ـ تسير إلى ربها الخالق لها سير شوق وتوق إلى مصدر النور والحياة. فالدعوة: نداء للشاردين عن وجهة الكون الواحدة الموحدة: الله رب العالمين! إن الكافر أو الفاسق أو العاصي، أو كل من شذ عن فلك الحق؛ هو ـ بالضرورة ـ في خصام مع عناصر الكون جميعا! من حيث كونها كلها موحدة لسيرها بمداراتها وأفلاكها، وهو وحده شارد في فوضى الضلال، لا يفتأ يصطدم مداره المختل بمداراتها المنتظمة، المصطفة، في سعيها إلى الرب العظيم، الملك الحق، القدوس السلام؛ مصطفة في صفوف، تماما كصفوف الصلاة في المعنى التعبدي.

ومن هنا وجدنا القرآن لا يفتأ يذكر بهذه الحقيقة العظمى: الأخوة الكونية والتناسق في توحيد السير إلى الله بين مختلف عناصر الطبيعة والخلق. قال عز وجل: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، وكثير من الناس؟ وكثير حق عليه العذاب!) (الحج:18) فالقرآن الكريم يعرض الوجود كله عرضا متناسقا في سيره نحو خالقه. فكل الأرضين، وكل الأجرام، وكل الكواكب والنجوم، وكل السماوات، وكل المدارات، وكل ما هنا وهنالك، على امتداد هذا الملكوت؛ كل شيء .. كل شيء؛ دائر في فلك الله الواحد الأحد. وإنما يبقى جزء من هذا الإنسان، وقبيل الشيطان، هم الذين يمارسون شذوذا وشرودا؛ بتمزيق وحدة الوجهة نحو الخالق العظيم!

وفي مشهد متفرد من مشاهد الأخوة الكونية، المؤلفة بين عناصر شتى من هذا الوجود؛ نجد نوعا من هذا التناسق الكوني في مشهد عجيب لداود عليه السلام، إذ يسجد لربه في موكب متسق التغريد والتجويد! من الجبال والطيور كأنهم جميعا صف من صفوف الصلاة. قال تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير) (الأنبياء:79) ، وقال سبحانه: (إنا سخرنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت