التوحيد لله رب العالمين. من حيث كان هو مفتاح السر الكبير في طريق معرفة هذا الوجود، وكيفية إسناده لخالقه تعالى.
ولقد كان للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في هذا المقام كلمات مشرقة. نقتطف منها ما يلي: قال رحمه الله: إن (السرَّ العظيمَ: سرُّ التوحيد!) (12) ؛ إذ (التوحيد هو أعظم حقيقة في عالم الوجود!) (13) ومن هنا كان (أساس الإسلام هو التوحيد الخالص) (14) فالتوحيد هو المسلك الأساس الذي يقود إلى الله، ويهب القلب طمأنينة السير بين مسالك الحياة والموت. إنه البلسم الرباني لداء الغفلة والحيرة والشعور المرضي بالعبثية. قال بديع الزمان: (التوحيد الحقيقي: وهو الإيمان بيقين أقرب ما يكون إلى الشهود، بوحدانيته سبحانه؛( ... ) إيمانا يهب لصاحبه الاطمئنان الدائم، وسكينة القلب؛ لرؤيته آية قدرته، وختم ربوبيته، ونقش قلمه على كل شيء) (15) .
ذلك أن (التوحيد الحقيقي:( ... ) هو أسمى من مجرد المعرفة التصورية بكثير. فالتوحيد الحقيقي: إنما هو حكم وتصديق، وإذعان وقبول، بحيث يمكن المرء من أن يهتدي إلى ربه من خلال كل شيء، ويمكنه من أن يرى في كل شيء السبيل المنورة التي توصله إلى خالقه الكريم، فلا يمنعه شيء قط عن سكينة قلبه واطمئنانه، واستحضاره لمراقبة ربه!) (16) .
من هنا كانت الدعوة إلى الله في جوهرها دعوة إلى التوحيد الحق، حيث لا وسائط تنظيمية ولا شعارية انتمائية، ولا أوثان، ولا أشياخ، ولا أوتاد، ولا أبدال، وإنما هنالك الله الواحد القهار! فالدعوة إليه تعالى: دعوة إلى توحيد الوجهة إليه، اعتقادا وعبادة؛ حتى تحصل الغاية من الخلق، التي هي جماع مقاصد الأنبياء والرسل، المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك: وصل الخلق بالخالق، وصل خضوع وإخبات مطلق، مما ذكرنا ـ قبل ـ من قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحيايْ ومماتيِ لله رب العالمين. لا شريك له. وبذلك أمرت. وأنا أول المسلمين) (الأنعام:165) .