فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 210

قومه. وإنما كانا يريدان طرد الرجلين من الحائط، فكان كلاهما يقول لمصعب وأسعد بن زرارة: (ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة! فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته؛ وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟) (26) .

فهذه النصوص ـ ونحوها في كتب السير والمغازي كثير ـ كلها تثبت أمرا مشتركا واحدا: هو أن مدار الدعوة الإسلامية في زمانه - صلى الله عليه وسلم -؛ كان هو القرآن الكريم. ذلك أنه هو متن الرسالة كما ذكرنا، وموضوع التبليغ من رب العالمين؛ إلى العالمين!

إن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء) (27) واضح في هذه المسألة. ذلك أن وظيفة الأنبياء هي تجديد الدين بالوحي، كما أن وظيفة العلماء هي تجديد الدين بالعلم، وإنما علم العلماء موروث عن الوحي؛ فالعلماء إذن امتداد للأنبياء بهذا المعنى.

والحركة التي لا تحتفل بالقرآن احتفالا، ولا تتداوله في خطابها ودعوتها، تداولَ تدبر وتفقه، ولا تجعله من أولى أولوياتها في خطاب الناس، ودعوتهم إلى الله؛ حركة بعيدة عن الصبغة القرآنية، والسنة النبوية في الدعوة إلى الله؛ وذلك واحد من الأسباب الرئيسة في انحصار خطابها في دائرة محدودة ومغلقة؛ لأن القرآن وحده هو الذي يفتح أبواب الأنفس والآفاق! وهو وحده الكفيل بربط القلوب بالله! قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض!) (28) ألم يقل الله عز وجل: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء:9) ؟ (التي هي أقوم) في الدعوة كما في الدين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت