فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 210

ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يوصي: (الصلاةَ وما ملكت أيمانكم! الصلاةَ وما ملكت أيمانكم!) (42) وبقيت كلمته - صلى الله عليه وسلم - الجامعة المانعة قاضية على ما سواها: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) (43) .

ومن أجمل الكلمات التي أرويها عن المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي، في محاضرة له عن المدينة الإسلامية العتيقة، وجمالية هندستها، قال: (كل الدروب تؤدي إلى المسجد؛ وكل المساجد تؤدي إلى الصلاة) !

لقد كانت الصلاة إذن هي النواة العملية الأولى للدين كل الدين. وكان المسجد بفضاءاته العظيمة هو الإطار الشامل ـ على المستوى النفسي والحركي ـ لكل الفعل الإسلامي؛ دعوةً ودولة.

ولكن ذلك كله لا يتم إلا باكتساب وعي سياسي ناضج؛ لأنه قد عُلِم أن أحكام الشريعة ـ سواء منها الفردية أو الجماعية ـ لا تتحقق في الواقع إلا بفقه دقيق لما يسمى في علم أصول الفقه بعلم (تحقيق المناط) ، أي معرفة طبيعة المحل الذي يجب أن يتنزل عليه الحكم الشرعي. ومن هنا كان تطبيق الأحكام الدعوية رهينا بمعرفة تحقيق مناطاتها أيضا. وإنما فقه تحقيق المناطات الدعوية ـ في الحقيقة ـ هو الوعي السياسي، أو الفقه السياسي، الكفيل بجعل الحركة الإسلامية على وعي دقيق وشامل بالزمان وأهله، إقليميا وعالميا، فتتخذ الخطوة المناسبة في الوقت المناسب وفي المحل المناسب. وإلا فهي معرضة لخبط العشواء في الليلة الظلماء. هذا أمر لا ينكره إلا من لم يحط بسنن الله الاجتماعية في السابقين واللاحقين.

وببيان هذا فإنه لا يلزم من إنكارنا لعدم مفتاحية العمل السياسي في المشروع الدعوي الإسلامي إهمال التفكير السياسي، أو العمل السياسي مطلقا. وإنما قصدنا أن نضعه حيث يستحق وظيفةً ورتبةً. والله الموفق للصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت