غيرها. حتى إذا كانت للمسلمين بالمدينة المنورة دولة كان المسجد هو أول مؤسسة من مؤسساتها. وعليه انبنت إقامة سائر المؤسسات الأخرى. فتأمل!
ولدينا نص طريف يحكي مظاهر الإسلام الأولى، في مشهد مبكر جدا، من مشاهد المسلمين، وهم يومئذ نحو ثلاثة نفر! لا أقل ولا أكثر! فعن عفيف الكندي رضي الله عنه قال:(كنت امرءا تاجرا، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب؛ لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرءا تاجرا، فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالت، قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج ذلك الرجل منه، فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين ناهز الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي.
قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟ قال هذا محمد بن أخي عبد الله بن عبد المطلب. قال: قلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. قال: فقلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه.
قال: قلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي. وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى. وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر.
قال: فكان عفيف ـ وهو ابن عم الأشعث بن قيس ـ يقول: ـ وأسلم بعد فحسن إسلامه ـ لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ؛ فأكون ثانيا مع علي بن أبي طالب!) (39) .
وذكر ابن هشام: (أن النبي وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم عن قومهم.) (40)
ولقد بقيت الصلاة بعد ذلك هي الشعار العملي الأول للمسلمين حتى كان بناء الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة ببناء المسجد النبوي. (41) الذي صار بعد ذلك منطلق جميع القرارات والحركات لبناء سائر مؤسسات الدولة، واستكمال هياكلها.