وهنالك فقط يمكنك أيها الداعي إلى الخير يمكن لك أن تدعو إلى أي مشروع آخر، يرتقي بالمجتمع في مراتب التعبد والتدين، من أمور سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مما هو معلوم أنه لا يكمل إسلام المجتمع ـ من حيث هو علاقات ومؤسسات، لا من حيث هو أفراد ـ إلا به. وليس معنى هذا عندي أن المشروع السياسي الإسلامي، أو الاقتصادي، أو نحوهما، يجب أن يتأخر العمل له كلا!
وإنما القصد أن ذلك كله لا يمكن أن يتم إلا على أرضية اجتماعية متدينة، فسواء تأخر هذا أو زامن العمل للتدين الاجتماعي وواكبه، فالمهم هو حصوله ابتداء، والبناء عليه في كل شيء. فلست هنا بصدد الدفاع عن برمجة تفصيلية لتجديد الدين في البلاد الإسلامية، وإنما أنا هنا بصدد الدفاع عن حقيقة واحدة هي: أن تدين المجتمع، هو البدء السليم لكل مشروع دعوي، وهو صمام الأمان الذي يحميه من الأخطار كلها. كما أن بحثي هذا إنما هو تحذير من تكرار التجربة الخاسرة التي تنطلق إلى تدين المؤسسات قبل العمل على تدين الأفراد. وإلى تدين السياسة بغض النظر عن تدين أهلها! وتدبر معي هذه الحقيقة العجيبة المبصرة فيما أوردناه قبل ـ ولا نمل أبدا من تكراره ـ من قول الله جل وعلا، الذي يعلم حقيقة دينه وكيف تقام قواعده. قال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء:105 ـ 106) . هكذا يرتفع التقرير المؤكد بكل أدوات التوكيد في الآية: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ!) تلك حقيقة المنهج الإصلاحي في الإسلام يرفعها القرآن عاليا في السماء بيانا وإعلانا؛ (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (ق:37) فاقرأها وأعدها وتدبر!
ولذلك كانت الصلاة أول عمل فرض في الإسلام ـ بعد الشهادتين ـ ولقد مضى على المسلمين بمكة زمن وهم لا يقومون بشيء من أعمال الدين