أما فرض الصيام فهو ـ رغم عموم متعلقه التكليفي ـ شهر واحد في السنة، وأما الحج فهو أقلها جميعا؛ لأنه مرة في العمر وعلى المستطيع إليه سبيلا فقط!
فتبقى الصلاة إذن هي تلك العبادة الوحيدة، الدائمة، والمستمرة، والعامة، في كل مكلف بالعين، لا تسقط أبدا إلا على الفاقد عقله والحائض والنفساء فإذا زالت هذه الموانع تعلق الفرض بالذمة من جديد! وقد رخص الشارع في قصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين في صور مختلفة ولأسباب مختلفة، ولم يرخص في إسقاطها أبدا إلا فيما سبق ذكره من موانع منضبطة بوقت معلوم وحال معلوم، ولو أن سجينا قيد من يديه ورجليه إلى سارية، أو كرسي، أو نحوهما، لما سقطت عنه، ما دام عقله حاضرا معه! وإنما له أن يصليها إيماء بالعين، أو إشارة بالرأس، أو كيفما استطاع حسب وضعه وأمنه. بل إن الشارع أوجبها على المقاتل وهو يقاتل تحت ظلال السيوف والحراب، أو قل تحت ضخ الرصاص والصواريخ! بل قد يعجز المرء عن الوضوء والتيمم كليهما فلا تسقط عنه رغم ذلك حسب ما ذهب إليه الجمهور (38) ما دام عقله حاضرا!
الصلاة هذه العبادة الكلية الشاملة في الدين هي أساس الدين!
وقد كتب العلماء القدماء منهم والمحدثون في قيمتها وأثرها في النفس والمجتمع بما لا يدع مجالا للشك في أنها أم العبادات، ورأس الكليات. وإن مجتمعا حسنت فيه الصلاة لهو مجتمع قد أسلم ناصيته لله رب العالمين، فلا خوف عليه بعد ذلك من ضلال المضلين، ولا استفزاز الشياطين. وكل محاولة للإفساد حينئذ؛ يمكن ردها ومحقها، بأقل نداء، أو أدنى خطاب، من رجل صالح مصلح، يبثه في الناس؛ منبها على خطورة هذا السلوك أو ذاك، أو داعيا إلى هذا الأمر، أو ذاك! لأن المجتمع الذي يحني جبهته خاشعا لله الواحد القهار؛ لا يمكن أن يصغي لغير أمره، ولا أن يقتدي بغير هديه سبحانه وتعالى.