إن الدراسة الأصولية (نسبة إلى علم أصول الفقه) لطبيعة التشريع السياسي في الإسلام، يجب أن تقوم أولا وقبل كل شيء؛ على معرفة الواقع التشريعي للأحكام السياسية في الكتاب والسنة. ولمعرفة هذا لابد من معرفة قاعدة تشريعية أساس لتصنيف أحكام الشريعة، ومعرفة أولوياتها، ومراتبها. نسوقها (مقدمة) علمية ـ بالمعنى المنطقي للكلمة ـ بين يدي هذه (القضية) ؛ لتحديد (نتيجة) المرتبة التشريعية للأحكام السياسية في الإسلام.
وذلك أن علماء أصول الفقه، منذ القديم، قد نبهوا إلى قاعدة تشريعية عظيمة، متعلقة (بمراتب التشريع) . ومفادها أن ما كان من أصول الدين الاعتقادية أو العملية، إنما يكون أصل تشريعه في القرآن. ولا يترك منه للسنة إلا ما كان من قبيل البيان والتفصيل، من توضيح الهيآت وبيان الكيفيات. وذلك شأن الإيمان بالله واليوم الآخر، والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ من الواجبات، وكذا شأن الربا، والخمر، والميسر، والزنى، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب؛ من المحرمات، ونحو هذا وذاك.
فقد ورد تشريع كل ذلك في القرآن أساسا. من مثل قوله تعالى في الواجبات: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (البقرة:109) ، وقوله: (كتب عليكم الصيام) (البقرة:182) ، وقوله: (ولله على الناس حج البيت) (آل عمران:97) ، ونحو قوله سبحانه في المحرمات: (وذروا ما بقي من الربا) (البقرة:277) ، (وأحل الله البيع وحرم الربا) (البقرة:274) ، وقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (المائدة:92) ، وقوله: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) (الإسراء:32) ، وقوله: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) (البقرة: 172) . إلى غير ذلك من أصول الواجبات والمحرمات في الدين. فإن الله تعالى إنما أنزل كتابه ليكون أصل التشريع الأول بلا منازع، قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من