شيء) (الأنعام:39) ، أي من أصول التشريع وكليات الأحكام. فلا حكم شرعي مما هو مقصود أصالة من الدين إلا وأصله التشريعي في القرآن.
فلا ينبغي أن يعتقد بناء على هذا أن بعض الأصول الدينية التشريعية قد أهملت من القرآن لتتولى السنة تشريعها. فهذا مما يخالف قصد الشارع، وطبيعة التشريع الإسلامي، وقواعده الكلية الاستقرائية. فإنما شأن السنة في مثل هذه الأمور بيان الهيآت التنزيلية والكيفيات التطبيقية، من مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (1) ، وحديث المسيء صلاته المشهور، وفيه: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني! فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع ... إلخ الحديث) (2) ، وبَّين - صلى الله عليه وسلم - مقادير الزكاة وأنصبتها، وكيفية الصيام، وقال في الحج وهو يحج بالمسلمين في حجة الوداع: (يا أيها الناس خذوا عني مناسككم) (3) ونحو هذا وذاك كثير، وإنما قصدنا التمثيل لطريقة السنة في التعامل مع أصول التشريع وكلياته، من البيان والتفصيل.
وعليه؛ فإنه لا يترك للسنة من التشريع إلا ما كان بمنزلة الفروع والجزئيات، وبيان الكيفيات، لا الأصول والكليات. فإذا وجدت من السنة ما هو كذلك ـ ولم يكن بيانا تطبيقيا ولا تفصيليا ـ فإنك تجده من قبيل تأكيد التشريع لا تأسيس التشريع! فلا حكم من الكليات التشريعية إلا وتجد في كتاب الله أصله الأول. دل على ذلك الاستقراء التام لأصول الشريعة وفروعها. وذلك كأحاديث إيجاب الصلاة والزكاة والصيام والحج بالسنة، فإنما هو من قبيل التأكيد، لا التأسيس.
وأما ما تفردت السنة بتشريعه تأسيسا، من الواجبات والمحرمات، فإنه لا يكون من الأصول والكليات، وإنما هو من الفروع والجزئيات، بالنسبة إلى ما ورد في القرآن من التشريع. وذلك كأحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وذوات السموم، ونحو ذلك.