فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 210

تفصيله على الاجتهاد، وأنه تشريع من الدرجة الثالثة. وهو شأن أحكام (العادات التي يشهد لها الطبع) ؛ ولذلك لا يتأكد الطلب عليها، لا بتحديد مقاديرها، ولا ببيان هيآت تنزيلها على آحادها. إذ كل ذلك يوكل إلى نظر المجتهد.

قال أبو إسحاق الشاطبي: (ما كان شاهد الطبع خادما له، ومعينا على مقتضاه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثا على مقتضى الطلب( ... ) فقد يكتفي الشارع في طلبه بمقتضى الجبلة الطبيعية، والعادات الجارية، فلا يتأكد الطلب تأكد غيره ( ... ) ألا ترى أنه لم يوضع في هذه الأشياء على المخالفة حدود معلومة؟) (18)

وقال في موطن آخر: (كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد، ولم يُجعل له قانونٌ ولا ضابط مخصوص؛ فهو راجع إلى معنى معقول، وُكِلَ إلى نظر المكلف. وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى، كالعدل والإحسان، والعفو، والصبر، والشكر؛ في المأمورات. والظلم والفحشاء، والمنكر، والبغي، ونقض العهد؛ في المنهيات) (19) وذلك بالضبط شأن الأحكام السياسية كما سترى.

وعليه ـ وهذه هي نتيجة الاستدلال ـ فإن ما كان في الشريعة الإسلامية أولى بالتشريع ـ حسب القواعد المؤصلة لما ذكرـ كان هو الأولى بالتدين والتعبد! بمعنى أن ما كان أولى بالتشريع كان أدخل في دين الله، وكان من أولوياته ومقاصده العظمى، وما لم يكن كذلك كان من وسائله وتوابعه ليس إلا! وأما ما لم يكن من هذه ولا تلك، أي لا هو مما يدخل في الرتبة التشريعية الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة؛ فليس من دين الله لا أصالة ولا تبعا!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش المبحث الأول من الفصل الثاني:

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت