فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 210

وهذا معنى تشريعي لطيف. إذ لو كان شيء منها مقصودا بالتحريم على درجة تحريم الخنزير؛ لنص عليه الشارع في القرآن باسمه، كما نص على الخنزير نصا! وما أهمله إلا لمعنى، هو ما قررناه من أن السكوت في معرض البيان بيان! والسكوت مستويات ومراتب، فقد يكون سكوتا بإطلاق، وقد يكون سكوتا عن تعيين، وهذا منه.

وإذا ثبت هذا؛ فقد تقرر أن مراتب التشريع، وقوة الأحكام الشرعية، مبنية على أولوية القصد التشريعي لما نص عليه في القرآن أولا، ثم ما نص عليه في السنة ثانيا، ثم ما ترك للاجتهاد ثالثا، وأن ما عبر عنه صراحة وعبارة؛ أولى مما عبر عنه كناية وإشارة!

ومن ملاحظة هذا المعنى فرق أبو حنيفة بين الفرض والواجب، وبين الحرام، والمكروه كراهة تحريم، ثم المكروه كراهة تنزيه. فجعل الفرض والحرام لما ثبت بالقرآن، وما دون ذلك لما ثبت بالسنة. وهذا معنى ـ من حيث القصد ـ متفق عليه بين فقهاء الأمصار، وإن اختص أبو حنيفة بتمييزه باصطلاحات خاصة (17) .

الثانية: مما يلحق بالقاعدة الترتيبية الكلية (أن كل ما كان مقصودا للشارع بالأصالة فصل تشريعه تفصيلا) أي فصله نصا، ولم يكد يترك منه للاجتهاد إلا قليلا! قال عز وجل: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) (الأنعام:119) وقال سبحانه: (الر. كتابٌ أُحكِمَتْ آياته ثم فُصِّلَتْ من لدن حكيم خبير) (هود:1) . وذلك شأن أحكام أركان الإسلام جملة فقد فصلتها السنة النبوية تفصيلا، وكذلك كثير من الأحكام المقصودة للشارع بالأصالة، كأحكام الزواج والطلاق، والميراث، وسائر أحكام الأسرة، فهذه قد فصلها القرآن تفصيلا. وكذا سائر المحرمات بالكتاب جاء تفصيلها الكامل بالسنة.

وأما حيث لا تجد التفصيل لا بالكتاب ولا بالسنة، وإنما مجملات تشريعية، أو عمومات قرآنية أو سنية؛ فمعناه أن ذلك الحكم قد أحيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت