ولنعد إلى التاريخ! فاعتمادا على هذا الواقع التاريخي سطر القدماء مسالك التولية ـ حسب الخلاف ـ في ثلاث طرق: العهد والشورى والنص.
فأما جمهور أهل السنة فقد جعلوها في مسلكين اثنين: العهد وشورى أهل الحل والعقد. قال الماوردي (ت:450 هـ) : (والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل. والثاني: بعهد الإمام من قبل) (3) .
وأما مسألة النص؛ فإن إمام الحرمين الجويني الإمام السني الشافعي (ت:476 هـ) ، قد رد على الشيعة ردا عنيفا في شأن مسألة الوصية بالنص الشرعي على علي بن أبي طالب. بل أنكر مسألة (النص) مطلقا لا لصالح الشيعة ولا لصالح السنة؛ مستعملا كافة الأدلة الشرعية والحجاج العقلي. قال رحمه الله: (كيف اختصصتم وأنتم الأذلون الأقلون بهذا الخبر دون مخالفيكم؟ وكيف انحصر هذا النبأ فيكم مع استواء الكافة في بذل كنه المجهود في الطلب والتشمير؟( ... ) ولو ساغ اختصاص قيام أقوام بدرك خبر شائع مستفيض ذائع؛ لجاز أن يختص بالعلم بأن في الأقاليم بلدة تسمى: (بغداد) طوائفُ مخصوصون مع تماثل الكافة في البحث عن المسالك والأقاليم والممالك!
وبم تنكرون على من يزعم أنه عليه السلام نص على أبي بكر نصا منتشرا في الأقطار، مطبقا للخطط والديار؟ ولسنا نذكر ذلك للاختيار والإيثار، ولكن المذاهب الفاسدة والمطالب الحائدة إذا تعارضت تناقضت وترافضت! وبقي الحق المبين، والمنهج المتين أبلج لائحا لأهل الاسترشاد، وطاحت مسالك العناد) (4)
ورغم ذلك لم يمنعه إنكار مسلك النص من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أن يقول قاطعا بشرعية العهد! ما دام ذلك قد حصل الإجماع عليه من لدن الصحابة في شأن عهد أبي بكر إلى عمر رضي الله عنهما. قال: (وأصل تولية العهد ثابت قطعا مستند إلى إجماع حملة الشريعة. فإن أبا بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وولاه الإمامة بعده؛ لم يُبْدِ أحد