ويندرج هذا البحث ضمن مسعى تطوير أنظمة التمويل في البلدان الإسلامية، ومنها الجزائر، التي ما يزال فيها نظام القرض التقليدي هو السائد، وهو ما ترك مجال البدائل التمويلية ضيقا، وترك بالتالي المؤسسات الاقتصادية في ضيق حين تبحث عن موارد مالية خارجية.
إن الوضع الذي تعيشه اقتصاديات الدول الإسلامية، بشكل عام، يتطلب مراجعة شاملة لأنظمة التمويل فيها، وذلك بغرض إعادة النظر في خارطة أنظمة التمويل فيها، سواء من حيث مكوناتها، أو من حيث القوانين والقواعد التي تحكمها، وهو ما يعني إعادة رسم دور المصارف ومؤسسات التمويل، وتوسيع نطاق محفظة الأدوات المالية والبدائل التمويلية.
إن الرقي بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يقتضي حتما ترقية مصادر وأساليب تمويلها، ذلك أن التمويل هو المشكل الرئيسي بالنسبة لهذه المؤسسات، التي ظلت في صراع دائم مع البنوك القائمة، إن بسبب عدم مبالاة هذه الأخيرة بها، أو بسبب الشروط والضمانات التي تطلبها منها، أو بسبب ثقل أعباء الفوائد التي تفرضها عليها.
غير أن الحث عن ضرورة تنويع أساليب ومؤسسات التمويل لا يعني طمس ما هو قائم، بقدر ما يعني فتح المجال أمام المستثمرين الراغبين في إنشاء مؤسسات مالية ومصرفية غير قائمة على نظام القرض، وذلك في إطار مبدأ العدالة في المعاملة، وفي ظل احترام قواعد المنافسة.
إن هيكل اقتصاديات البلدان الإسلامية، على غرار معظم البلدان النامية، يبرز سيطرة واضحة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، على الأقل من حيث العدد، غير أن هذه المؤسسات ما تزال هشة في مجملها، وتتطلب مجهودات معتبرة من طرف حكومات هذه الدول، وفي كافة مجالات الدعم والمرافقة، ومن أبرزها مجال التمويل.
وعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي أولته السلطات العمومية في الجزائر لقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والذي تكرس بإصدار قانون خاص بها منذ ديسمبر 2001، ما يزال أصحاب هذه المؤسسات، وخاصة منهم أصحاب المشروعات الصغيرة، يواجهون صعوبات في عدة مجالات مرتبطة بأعمالهم، سواء كانت صعوبات إدارة وتنظيمية، أو كانت صعوبات تمويلية.
وفي مجال التمويل يستند القانون السالف الذكر (القانون التوجيهي لترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة) إلى منطق نظام التمويل القائم، وهو نظام القرض، ولذلك فهو يقترح"صندوق ضمان القروض"كآلية وحيد للدعم التمويلي، مع إن هذه الآلية في حد ذاتها تسير بخطى بطيئة (انطلقت مع بداية 2004) . وبالمقابل، لم يتضمن أي دعم لآليات التمويل الأخرى المحتملة الوجود، ومن ضمنها الآليات التي تمت معالجتها في هذا البحث.
يمكن تلخيص نتائج هذا البحث في النقاط الأتية:
-تقوم صيغ التمويل الإسلامية على مبدأ الغنم بالغرم، وعلى مبدأ العمل والمخاطرة، وهو ما يخالف المبدأ الذي يقوم عليه نظام القرض، وهو العائد المضمون؛
-تتسم صيغ التمويل الإسلامية بالتنوع والمرونة، وهو ما يجعلها قادرة على الاستجابة لمتطلبات التمويل من مختلف الأطراف، كما تتميز بالعدالة في توزيع الناتج بين أطراف العلاقة التمويلية، وهو ما يجعها أكثر قبولا لدى المتعاملين الاقتصاديين.
-لقد أثبتت المصارف الإسلامية تطبيقية صيغ التمويل الإسلامية وفعاليتها، على الرغم من أن المحيط الذي تعمل فيه غير مناسب لمنطق عملها في أغلب الأحيان، وبالتالي تكون قد أثبتت بأن عقود المضاربة والمشاركة والمرابحة والسلم وغيرها ليست مجرد أبواب في كتب الفقه، بل هي أدوات عملية يمكن العمل بها في كل مكان وزمان.