الصفحة 6 من 21

المضاربة أو القراض 5 من الأساليب التي كانت شائعة في الجاهلية، واستمر التعامل به بين المسلمين دون تغيير فيه، إلا أن مضاربة الجاهلية كانت قاصرة على التجارة، وهو القطاع الذي كان سائدا في اقتصاديات الجزيرة العربية، ولذلك ارتبط مصطلح المضاربة بالتجارة في كتب الأولين. ولفظ المضاربة مأخوذ من الضرب في الأرض وهو السير فيها بغرض التجارة وطلب الرزق 6، وفي ذلك جاء قوله تعالى:"وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" (المزمل، 20) . وهي في الفقه الإسلامي"عقد يقتضي دفع نقد مضروب خال من الغش الكثير، معين معلوم قدره، وصفته إلى من يتجر فيه بجزء مشاع معلوم من ربحه"7.

فالمضاربة إذا هي عبارة عن عقد بين طرفين يقدم أحدهما المال، ويسمى"صاحب المال"، ويقدم الآخر العمل، ويسمى"المضارب"، بحيث يكون الربح قسمة بينهما بنسبة شائعة متفق عليها عند التعاقد، كالنصف والثلث والربع. مع التأكيد هنا بأن هذه النسبة تكون من الربح وليس من رأس مال المضاربة، لأنه إذا كانت من رأس المال أصبحت ربا. في حالة الخسارة يتحملها كل منهما حسب جنس ما قدمه، أي يتحمل صاحب المال خسارة ماله، ويتحمل صاحب العمل (المضارب) خسارة جهده، وفق قاعدة الجزاء من جنس العمل.

ولقد اختلف الفقهاء في تصنيف عقد المضاربة: أهو من جنس المعاوضات كالأجارة، وهم الغالبية (الحنفية والمالكية والشافعية ومعهم الجمهور) ، أم هو من جنس المشاركات، وهم الأقلية (الحنابلة) . كما اختلفوا أيضا: أهي في التجارة فقط، أم تشمل الأنشطة الأخرى، كما قال بذلك الحنابلة والمالكية والحنفية، وهو ما تعمل به البنوك الإسلامية 8.

ويأخذ أغلب الكتاب المعاصرين برأي الحنابلة في اعتبار المضاربة كنوع من أنواع الشركات، غير أنه في هذه الشركة لا يحق لصاحب المال أن يشارك المضارب في إدارة المشروع، فمن شروط المضاربة انقطاع يد رب المال عن رأس المال المقدم للمضاربة (على ما سوغه الحنابلة) . وتنعقد المضاربة على مشروع ربحي، أي يقصد منه الربح، سواء كان هذا المشروع تجاريًا، صناعيًا، أو زراعيا، بحيث يقتسم الشريكان الربح بنسبة يتفقان عليها.

يمكن تقسيم المضاربة حسب مجموعة من المعايير:

-من حيث أطراف المضاربة: تنقسم إلى مضاربة بسيطة، وهي علاقة ثنائية بين مضارب واحد ورب مال واحد، ومضاربة مركبة، والتي تعدد فيها أطراف المضاربة، وتجسدها حالة المصارف الإسلامية؛

-من حيث المدة: نميز بين مضاربة محدودة المدة، وهي التي تنقضي بانقضاء مدة عقد المضاربة، حيث يتم تصفية الشركة والمحاسبة على النتائج، ومضاربة مستمرة، وهي غير محدودة في المدة، وتتم فيها المحاسبة على الأرباح بين المتعاقدين بصورة دورية.

-من حيث ملكية المال المستثمر: نميز بين مضاربة مختلطة، وفيها تشترك عدة أطرف في مال المضاربة، ومضاربة غير مختلطة، ويكون فيها رأس مال المضاربة بحوزة طرف واحد.

-من حيث التصرف: نميز بين مضاربة مطلقة، وفيها يكون للمضارب مطلق التصرف في مال المضاربة، ومضاربة مقيدة، وهي أن يقيد صاحب المال المضارب بنشاط محدد أو سلعة محددة أو مكان محدد أو زمان محدد، وهذا النوع الأخير هو المطبق في المصارف الإسلامية الحالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت