واجتاز على قريته"سهيل"وقد خربها النصارى، لما أغاروا عليها، وقتلوا أهلها وأقاربه. وكان غائبا عنهم، فاستأجر من أركبه دابة، وأتى به إلى"سهيل"فوقف بإزائه، وأنشد قائلا:
يادار، أين البيض والآرام أم أين جيران علي كرام
راب المحب من المنازل أنه حيا فلم يرجع إليه سلام
لما أجابني الصدى عنهم ولم يلج المسامع للحبيب كلام
طارحت ورق حمامها مترنم مقال صب والدموع سجام
يادار ما فعلت بك الأيام ضامتك والأيام ليس تضام [1]
ومن نظمه كذلك:
أسائل عن جيراني من لقيته أعرض عن ذكراه والحال تنطق
ومالي إلى جيرانه من صبابة ولكن نفسي عن صبوح ترقق [2]
وله أشعار كثيرة يضيق المجال بذكرها.
إن هذه الآثار والمصنفات العظيمة الممتعة لتنبئ عن نبوغ صاحبها، هذا الإمام الفذ الذي وهب حياته للعلم، إفادة وتدريسا وتأليفا. على الرغم من كونه-رحمه الله-كان ضريرا، لكن الله عزوجل عوضه بفقد البصر نور البصيرة.
كان مشهورا بين الناس بورعه وتقواه وصلاحه. كما كان ببلده يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف [3] ، وأقام ببلده إلى أن نما خبره إلى صاحب مراكش [4] فطلبه إليها وأكرمه وأحسن إليه، وأقبل بوجهه كل الإقبال عليه، وأقام ب"مراكش"نحو ثلاثة أعوام [5] يصنف كتبه إلى أن توفي بها [6] .
الإمام السهيلي من العلماء البارزين في الغرب الإسلامي، الذين أثروا المكتبة الإسلامية والثراتية بإنتاجاتهم المتميزة. لمع نجمه في الأندلس، لكن شهرته امتدت لتشمل
(1) - نفح الطيب للمقري التلمساني ج 4 ص 359
(2) - نفسه ج 2 ص 317
(3) - وفيات الاعيان. ج 3 ص 144
(4) - هو: يوسف بن عبد المومن الخليفة الموحدي. يقال إنه استدعى السهيلي سنة 578 هـ
(5) - شذرات الذهب لابن العماد ج 4 ص 446/وفيات الاعيان لابن خلكان ج 3 ص 144
(6) - الاعلام للزركلي ج 3 ص 213